حسناء ديالمة

55

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

إن أبا جعفر المنصور أول من استعمل مواليه على الأعمال ، وقدّمهم على العرب ، بل روي « أن أكثر من تولّى الأعمال للمنصور كانوا من الموالي » « 1 » . حذا العباسيون حذو الأمويين في تولية العهد لأبنائهم ، كما نرى « في سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمّه عيسى بن موسى من ولاية العهد الذي كان السفاح عهد بها إليه من بعد المنصور ، وعهد بها إلى ولده المهدي » « 2 » . ومن أبرز معالم سياسة المنصور القضاء على ثورات العلويين ، ومنها ثورة محمد بن عبد اللّه بن حسن المعروف بالنفس الزكية « 3 » ( سنة 145 ه ) ، وثورة إبراهيم بن محمد « 4 » أخيه الذي أعلن ثورته الكبرى على الخليفة في البصرة « 5 » وكذلك لم تكن بداية دولة بني العباس إلا مرحلة أخرى من الحروب والاضطرابات والثورات والعمليات العسكرية لما نقله على آخر ذيول الحكم الأموي وتثبيت المواقع السياسية الجديدة . لذلك نستطيع أن نميز عصر الصادق بأنّه كان عصر فتن وحروب طاحنة ، ونزاع بين رجال الدولة والحركات السياسية فضلا عن الاضطرابات التي كانت تنخر عظام دولة الخلافة من طولها إلى عرضها . لقد شهد جعفر الصادق مخاض المعارك والمؤامرات السياسية ، التي كانت تتوخى زعزعة الكيان الأموي ، وعايش يوميات الأحداث التي انتهت بالانقلاب العباسي على الخلفاء الأمويين ، والنزاع الكبير الذي جرى إثر ذلك بينهم وبين العلويين من أبناء الحسين وأبناء عمهم ، وطولب الإمام أن يبايع بعض أبناء عمه ، فأبى ، فاتّهم بالحقد والحسد .

--> ( 1 ) الجهشياري ، تاريخ الوزراء والكتّاب ، ص 139 ( بتصرف ) . ( 2 ) جلال الدين السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق ، ص 261 . ( 3 ) محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( 93 - 145 ه ) أبو عبد اللّه الملقب بالنفس الزكية ولد ونشأ بالمدينة ، أحد الأمراء الأشراف من الطالبيين كان غزير العلم ، فيه شجاعة وحزم وسخاء لمّا بدأ الانحلال في دولة بني أمية بالشام اتفق رجال من بني هاشم بالمدينة على بيعته سرا ثم تخلّف عن الوفود على السفاح ثم على المنصور ، فانتدب المنصور لقتاله ولي عهده عيسى بن موسى بأربعة آلاف فارس ، فقاتله محمد ، فقتله عيسى في المدينة وبعث برأسه إلى المنصور . ( الزركلي ، الأعلام 6 / 220 ) . ( 4 ) إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( 97 - 145 ه ) أحد الأمراء الأشراف الشجعان ، خرج بالبصرة على المنصور العباسي ، فبايعه أربعة آلاف مقاتل فكانت بينه وبين جيوش المنصور وقائع هائلة إلى أن قتله حميد بن قحطبة . كان شاعرا عالما بأخبار العرب وأيامهم وأشعارهم . ( الزركلي ، الأعلام 1 / 48 ) . ( 5 ) الطبري ، تاريخ الأمم والرسل والملوك ، مرجع سابق ، ج 6 ، ص 183 وما بعدها .