حسناء ديالمة
31
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا « 1 » . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يصيب منهما جميعا ، فإن الدنيا بلاغ للآخرة » « 2 » . على هذا فإنّ التربية الإسلامية ليست مادية بحتة ، ولا روحانية خالصة ، تخالف الطبع وتقطع عن العمل . فهي تهذّب الفرد تهذيبا ذاتيا ، كما تهذّبه تهذيبا اجتماعيا تجعله يشعر بانتمائه إلى المجتمع الذي يعيش فيه ، وبقيمة أخيه المسلم ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره » « 3 » . كما قال : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » « 4 » . * وسطية : التربية الإسلامية تربية وسطية تنظر إلى الأمور نظرة وسطية ، وتحافظ على مبدأ الاعتدال في الشخصية الإسلامية ، حتى في الأمر الواحد ؛ فعلى سبيل المثال : قال سبحانه : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً « 5 » وقال عزّ وجلّ : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 6 » . هذه هي أبرز سمات التربية الإسلامية المتوازنة التي تضع لكل شيء حده ، وتحسب لكل أمر قدره حتى لا تختل الموازين وتضطرب أمور الحياة . فإن خاصية « الاعتدال » تجعل المجتمع الإسلامي مجتمعا إنسانيّا « وسطا » ، لا يسرف في أموره ، ولا يفرط فيها ، قال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً « 7 » . ولا جرم أن مبدأ الوسطية هو الذي جعل الأمة الإسلامية تمتاز عن غيرها من الأمم ، وما أصابها من تردّ ونكوص على الأعقاب إنما أصابها بسبب اتباع أبنائها سبيل الإفراط والتفريط ، فضلا عن بعض العوامل الأخرى التي ليس ههنا محل لمناقشتها .
--> ( 1 ) سورة القصص ، جزء من الآية 77 . ( 2 ) المتقي الهندي ، كنز العمال ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1990 ، ج 1 ، ص 24 . ( 3 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب المظالم ، ح 3 . ( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه ، باب خصال الإيمان ، ص 38 . ( 5 ) سورة الفرقان ، الآية 67 . ( 6 ) سورة الإسراء ، الآية 29 . ( 7 ) سورة البقرة ، جزء من الآية 143 .