حسناء ديالمة

309

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

فلعلّ عناية الإمام الصادق بتنمية روح التعاون والتكافل ، والتي تبلورت عبر صور وأساليب شتى ، إنّما تروم أن تصنع من الإنسان الأرضي الضيق الأفق ، أنموذجا راقيا تتسع روحه ليتعايش مع بني نوعه ، ويسعى دوما لقضاء حوائجهم ويشركهم فيما يمتلك . ومن هنا اعتبر الإمام هذه الصورة وهذا الأداء واجبا ينبغي على كل مسلم أن يلتزم بها فقال : « ويحقّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة » « 1 » . فهذه الرابطة الأفقية بين الإنسان وأخيه رابطة محورية في الارتقاء الحضاري لأي مجتمع حيث تعمل على تذويب الأنانيات وتقوية أواصر الأخوة الإسلامية وتشيع أجواء التكافل . فقد بيّنت مدرسة الإمام الصادق إذا الصورة التي يريدها الإسلام للعلاقة بين أفراد مجتمعه بكل جوانبها ، وقامت بتوطيد روح التكافل والتعاون الجماعي في نفوس تلاميذها ، عبر مشاريع اجتماعية متعدّدة التي يمكن تلخيصها كما يلي : * تأصيل خدمة الناس وقضاء حوائجهم : إنها من أروع مظاهر التكافل الاجتماعي ؛ فهي المساعدة الطوعية النابعة من نفس الإنسان وقناعته التامة بتلبية حاجات الآخرين . وقد جعل اللّه للإنسان طاقات نفسية وعقلية وجسدية ، وهذه كلها من نعم اللّه العديدة ومنّه وكرمه على عباده . فإن صرفها العبد في مساعدة أهل الحاجة يكون قد أدّى حق الشكر للّه تعالى المؤدي إلى زيادة هذه النعم أضعافا ، وإن منعها عن أهلها يكون قد ضيّع حقّ اللّه وعرّض نعمه تعالى للضياع والزوال ، وهذا مصداق لقول أبي عبد اللّه : « ما أنعم اللّه على عبد نعمة فلم يحتمل مؤونة الناس إلّا عرّض تلك النعمة للزوال » « 2 » . وقد أشار الإمام أنّ فوائد مساعدة الآخرين وخدمتهم لا تعود على صاحب الحاجة فقط ، بل يعمّ نفعها قاضي الحوائج نفسه كما يعم المجتمع أيضا ، قائلا : « أيّما مؤمن أتى أخاه في حاجة ، فإنّما ذلك رحمة من اللّه ساقها إليه وسبّبها له ، فإن قضى حاجته كان قد قبل الرحمة بقبولها وإن ردّه عن حاجته وهو يقدر على قضائها فإنّما ردّ عن نفسه رحمة من اللّه جلّ وعزّ ساقها إليه وسبّبها له . . . » « 3 » .

--> ( 1 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 215 ، ح 16119 . ( 2 ) الزمخشري ، ربيع الأبرار ، ج 3 ؛ ص 662 . ( 3 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب قضاء حاجة المؤمن ، ح 5 .