حسناء ديالمة

295

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

تنمية روح التعلق بالمجتمع لطالما عمل الإمام الصادق في منهجه على تنمية المشاعر الجماعية وزرع الحسّ الاجتماعي في الفرد . فهو يرى ضرورة المخالطة والتوسّع في العلاقات في مقابل الانطواء والعزلة والرهبنة ، حيث يتجه إلى تأكيد الفطرة الإنسانية وتوجيهها نحو الكمال من جهة ، وتنمية العقل بالمعاشرة مع الآخرين من جهة أخرى ، فيقول ما نصّه : « مجاملة الناس ثلث العقل » « 1 » . وهذا طبيعي ، إذ إن الإنسان في كنف المجتمع سيحصل على خواصّه الإنسانية التي كانت تنقصه . والمجتمع يؤدي وظيفة حيويّة بالنسبة إلى الإنسان في تزايد عقله وكثرة تجاربه حيث لا تتكامل شخصية الإنسان ، ولا تنمو أبعادها المختلفة بدونه ، إضافة إلى أنّ روح الجماعة تجعل الإنسان مرآة صافية يرى من خلالها نقاط ضعفه ، فيسعى للقضاء عليها حتى يتمكن من أداء دور المصلح لذاته . وقد أشار الإمام الغزالي إلى هذا المعنى في مثاله قائلا : « مثال القلب المشحون بالخبائث مثال دمل ممتلئ بالصديد والمدة . وقد لا يحسّ صاحبه بألمه ما لم يتحرّك أو يمسّه غيره فإن لم يكن له يد تمسه أو عين تبصر صورته ولم يكن من يحرّكه ربما ظنّ بنفسه السلامة ولم يشعر بالدمل في نفسه واعتقد فقده . ولكن لو حرّكه محرّك أو أصابه مشرط حجام لانفجر منه الصديد وفار فوران الشيء المختنق إذا حبس عن الاسترسال ، فكذلك القلب المشحون بالحقد والبخل والحسد والغضب وسائر الأخلاق الذميمة إنّما تنفجر من خبائثه إذا حرّك » « 2 » . فالإنسان يختبر أخلاقه وصفات باطنه عن طريق المعاشرة ؛ فهو لا يقدر على خوض هذه التجربة في العزلة . من هنا نرى أن التربية على تماسك الجماعة ظاهرة جليّة في تعاليم الإمام في مثل قوله : « عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز . إنّه لا بدّ لكم من الناس . . . » « 3 » .

--> ( 1 ) محسن الأمين ، أعيان الشيعة ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 525 . ( 2 ) أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 209 . ( 3 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 7 ، ح 15499 .