حسناء ديالمة
284
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
اللّه ، فنال منه ، فقمت من ذلك المجلس فأتيت أبا عبد اللّه ليلا فدخلت عليه وهو في فراشه . . . فخبرته بالمجلس الذي كنا فيه وما يقول حسن . فقال يا جارية : ضعي لي ماء فأتى به فتوضأ وقام في مسجد بيته ، فصلى ركعتين ثم قال : « يا رب إن فلانا أتاني بالذي أتاني عن الحسن وهو يظلمني وقد غفرت له ، فلا تأخذه ولا تقايسه يا ربّ فلم يزل يلح في الدعاء على ربه ثم التفت إليّ فقال : انصرف رحمك اللّه ، ثم زاره بعد ذلك » « 1 » . عندما يسمع بعض الجهلة أحدا يغتاب صاحبا لهم ينقلون إليه الغيبة بدلا من أن يدافعوا عنه ، ظانّين أنهم بهذا يقدّمون خدمة لصاحبهم من جهة باطلاعه على ما يقال عنه ، ويكشفون له ، من جهة أخرى ، مقدار ما يكنّونه له من حبّ وصداقة . وكذلك هنا ربما كان يجول في خاطر الراوي أنه وضع يده على كنز ثمين ، وإذا ما سارع إلى نقل ما دار في مجلس عبد اللّه بن الحسن إلى الإمام فسيحمد له الإمام موقفه ، ولكن الإمام اعتبر هذا العمل مثيرا للفتنة ومن العيوب المعنوية ، والسّيئات الأخلاقية ، فقبّح فعل النّمام عمليّا . فصلاة الإمام ، وإعلان الصفح عمن ذكره بسوء عقيب الصلاة ، كل ذلك ، يبيّن بأن الإمام أراد أن يلقّنه درسا أخلاقيّا لن ينساه ، وبهذا الخلق العالي قطع الإمام دابر الفتنة . ونظير ذلك ما روي من كلام جدّه الإمام علي بن الحسين عندما قيل له : « إن فلانا ينسبك إلى أنك ضالّ مبتدع » . فقال له : « ما رعيت حقّ مجالسة الرّجل حيث نقلت إلينا حديثه ، ولا أدّيت حقي حيث أبلغتني عن أخي ما لست أعلمه » « 2 » . ب - الإفادة من الاهتمامات الفكرية والعاطفية لدى المتلقي : إذا غدا المشرف التربوي في غمرة التعامل مع تلاميذه والاتصال بهم شخصية مقبولة ومحببة لديهم ، بحيث لا يتقبّلون فقط اتباعه واحتذاء خطاه كأسوة لهم ، بل وفوق ذلك يتواصلون معه تواصلا عاطفيّا عميقا ، وينظرون لرضاه القلبي عنهم كأمر على جانب كبير من الأهمية والجد ، عندئذ يستطيع المربي الانتفاع من هذه الرابطة القلبية لحثهم على الفضائل لينهلوا من معينها ، ونهيهم عن الرذائل ليقلعوا عنها . وبالنظر لما كان يتمتع به الإمام الصادق من منزلة عظيمة لدى تلاميذه ، وما يكنّه طلابه من حب ومودّة قلبية عميقة له ، فقد استفاد الإمام من هذا الأسلوب بنحو واضح في عملية التربية الأخلاقية ، حتى إنه في كثير من الأحيان يستعيض عن البيان الدارج
--> ( 1 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 88 ، ص 285 . ( 2 ) الطبرسي ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، 1385 ، ص 323 .