حسناء ديالمة
277
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
النفس الإنسانية فذكّر تلاميذه به من حيث تنميته وحمايته في قوله : « إنك قد جعلت طبيب نفسك ، وبيّن لك الداء ، وعرفت آية الصحة ، ودللّت على الدواء ، فانظر كيف قيامك على نفسك » « 1 » . ففي هذا الكلام ، تبيان واضح للحس الأخلاقي الذي شبّهه الإمام بالطبيب الذي يعرف الداء والدواء . فبهذا الوجدان يهتدي الإنسان إلى معرفة أمراض نفسه ، ويستطيع الوصول إلى سلامة روحه ؛ لأنه إذا كان نقيّا صافيا سليما من العلل ، يساعد الإنسان على تمييز مواقف الخير من غيرها ، ويحمله على وقوفها واجتناب مواقف السوء . فقد أشار الإمام إلى موقع هذا الوازع الداخلي في صيانة الإنسان عن الانحراف بقوله : « من لم يكن له واعظ من قلبه وزاجر من نفسه ، ولم يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه » « 2 » ومن البديهي أنّ الإنسان يحتاج إلى واعظ قبل كل شيء ليكون معه في كل حال ويعلم أسراره الداخلية ويكون عليه ومعه دائما . فهذه الصرخة الإلهية في نفس الإنسان تقوّم شخصيته وتشكل محكمة عادلة ومنصفة داخله ، وتراقب سلوكه ومواقفه بدقة وتوبّخه وتؤنبه عند كل شطط وانحراف كما تمدحه عند كل خير وفضيلة . وعلى هذا ذكّر الصادق الناس بهذا الوازع الداخلي الذي يشعرهم بقبح العمل القبيح وينفرهم منه ويشعرهم بحسن العمل الحسن فيرتاحون إليه ، ترغيبا لهم في الخير وتنفيرا من الشر . * تحريك عنصري الطمع والخوف : للطمع والخوف أثر كبير في النفس الإنسانية وهما يتحركان بالترغيب والترهيب ، فإذا رأى الإنسان المكافأة على عمل اندفع إليه طمعا فيها ، وإذا رأى العقوبة عليه ارتدع عنه خوفا منها . وقد اعتمد الصادق في منهجه التربوي اعتمادا كبيرا على تحريك هذين العنصرين لبعث الفضيلة ونبذ الرذيلة من أعماق النفس الإنسانية مازجا بين العقل والعاطفة لتمكين الروح من الاستقامة على الخير والحق والجمال . وهذه أمثلة من ترغيبه وترهيبه ، قال : « من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده » « 3 » . وهذا تخويف من العقاب الذي يطال الظالم في الدنيا بأنه قد يكون في نفسه أو
--> ( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب محاسبة العمل ، ح 6 . ( 2 ) الصدوق ، الأمالي ، ص 526 . ( 3 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 330 .