حسناء ديالمة

275

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

أنواعها ، وما يترتب على الفضيلة من خير وما ينجم عن الرذيلة من شرّ ؛ فعلى سبيل المثال قال له أحد تلاميذه : « قد عرفت حالي وسعة يدي وتوسعي على إخواني ، فأصحب النفر منهم في طريق مكة فأتوسع عليهم فقال له : لا تفعل ، إن بسطت وبسطوا أجحفت بهم ، وإن هم أمسكوا أذللتهم ، فاصحب نظراءك ، إصحب نظراءك » « 1 » . لقد نهاه الإمام عن صحبة من دونه في السفر وعلل له ذلك ، ليعرف ما ينفع وما يضرّ وليعي أن جميل العشرة ليس أن يكلّف رفيقه أو يذلّه . وحث الصادق أتباعه على التحلّي بالصفات الحميدة والسجايا المطلوبة بذكر فوائدها ونتائجها فقال : « قل الحق لك وعليك تستشار من بين أقربائك » « 2 » . فبيّن الإمام أثر اتّباع الحق بين الناس الذي يؤدي إلى مكانة الثقة للمرء ومنصة المشورة عن الآخرين . كما حذّر تلاميذه من الأخلاق الذميمة مبينا سوء أثرها في النفس والمجتمع فقال ناهيا عن المراء : « لا تمارينّ حليما ولا سفيها فإن الحليم يغلبك والسفيه يؤذيك » « 3 » . فالتبصير بعواقب الأفعال وآثارها أمر حيوي عند الإمام لإصلاح النفوس ، حيث لم يعلّم الفضائل والرذائل إلا بذكر ثمارها العاجلة والآجلة . ولكنّه رغم ذكر الفوائد الدنيوية للفضائل ، نبّه تلاميذه إلى اختلاف الخلق الايماني عن الخلق النفعي « 4 » لكي ينفذوا سلوكهم الأخلاقي إطاعة لأمر اللّه ويكون الدافع الأصلي فيهم ابتغاء لوجهه . فقال ما نصّه : « عليكم بمكارم الأخلاق فإن اللّه عزّ وجلّ يحبها ، وإباكم ومذامّ الأخلاق فإن اللّه عزّ وجلّ يبغضها » « 5 » . ومعلوم أن التخلق لغير اللّه تعالى مهما كان فإنه ، ليس من المكارم على ما في الإسلام الحنيف .

--> ( 1 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 2 ، ص 279 ، ح 2441 . ( 2 ) أبو نعيم الأصفهاني ، حلية الأولياء ، ج 3 ، ص 195 . ( 3 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب المراء والخصومة ، ح 4 . ( 4 ) أصحاب هذه النظرية يلزمون أنفسهم بالموازين الأخلاقية لاستزادة المنفعة لهم وليس دافعهم إلى السلوك الأخلاقي إلا النفع المادي والمصلحة الدنيوية ؛ لأنهم عرفوا أن مصالحهم ومنافعهم الدنيوية تكمن في حسن الأخلاق ، فاستخدموها وسيلة لإشباع رغباتهم ولنيل اللذائذ والأهواء النفسية . ( محمد تقي فلسفي ، الأخلاق من منظور التعايش والقيم الإنسانية ، ج 1 باب الأخلاق النفعية ، ص 76 ) . ( 5 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 15 ، ص 200 .