حسناء ديالمة

267

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

وكراهيتها لها ، وحذرها من أن تظهر أمام الناس ببعض مظاهرها » « 1 » . من هنا يرى الإمام أن هذه الصفة تختص بالإنسان وتمثّل سببا من أسباب تكريمه ، وفي هذا يقول مخاطبا المفضل بن عمر : « انظر يا مفضل إلى ما خصّ به الإنسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره العظيم غناؤه ، أعني الحياء » « 2 » . فالحياء يحجز المرء عن الفواحش ويدفعه إلى التحلّي بكل جميل ومن أجل ذلك قرّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ « الحياء خير كلّه » « 3 » . ويشرح الإمام الصادق كيف أن الكثير من السلوكيات الحسنة وحتى مراعاة الحقوق تظهر بفضل التزام الإنسان بسجية الحياء في حياته : « فلولاه [ أي الحياء ] لم يقر ضيف ولم يوف بالعداة ولم تقض الحوائج ولم يتحرّ الجميل ولم يتنكّب القبيح في شيء من الأشياء حتّى إنّ كثيرا من الأمور المفترضة أيضا إنّما يفعل للحياء فإنّ من النّاس من لولا الحياء لم يرع حقّ والديه ولم يصل ذا رحم ولم يؤدّ أمانة ولم يعف عن فاحشة » « 4 » . وهكذا يرى الإمام الحياء رأس كثير من مكارم الأخلاق ويشجع طلابه عليه فيقول : « صدق الحديث وصدق الناس ، وإعطاء السائل ، ومكافأة الصانع ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم والتودّد إلى الجار والصاحب ، وقرى الضيف ورأسهنّ الحياء » « 5 » . وعلى هذا النحو يشير الإمام أحيانا إلى الجذور الأصلية للرذائل ويعبّر عنها بأصول الكفر فيقول ما نصّه : « أصول الكفر ثلاثة : الحرص والاستكبار والحسد » « 6 » ربّما مصدر جميع المصائب الكبرى التي حدثت في العالم الإنسانية منذ صدر الخليقة هي هذه الصفات الثلاث . وتشير نماذج من هذا القبيل إلى أن الإمام الصادق اهتم عبر نظامه التربوي الأخلاقي المستمد من النظام التربوي القرآني بتحري جذور الفضائل والرذائل الأخلاقية ، وبدأ بها في تربية طلابه وقد استعان بالمقارنات وظاهرة الترابط القائم بينها في هذا المجال .

--> ( 1 ) عبد الرحمن حبنكة الميداني ، الأخلاق الإسلامية ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 489 . ( 2 ) كاظم المظفر ، توحيد المفضل ، ص 39 . ( 3 ) أخرجه مسلم في صحيحه ، باب شعب الإيمان ، ح 37 . ( 4 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 81 . ( 5 ) الطوسي ، الأمالي ، ص 301 . ( 6 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب أصول الكفر وأركانه ، ح 1 .