حسناء ديالمة

246

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

هذا التوجيه التربوي يوصي الناس بأن يكونوا في عقائدهم علماء أو متعلّمين ولا يكونوا مقلّدين أي من الذين لا يرون لأنفسهم حق التفكير والتحقيق فيما يكتبه أو يقوله الآخرون وهكذا تكون الدعوة للحرية الفكرية والحث على الاجتهاد وتوظيف العقل . ويلاحظ أن الإمام الصادق في دعوته لبناء الفكر الحرّ ، فإنه يحض على تهيئة العقل الاستدلالي لدى المرء ، هذا العقل الذي لا يقبل فكرة دون بحث ولا يؤمن بعقيدة ما لم تحصل على برهان ، ليكون هذا العقل الواعي ضمانا للحرية الفكرية ، وعاصما للإنسان من التفريط بها بدافع من التقليد أو الجمود الفكري . وفي الواقع حركة الصادق جزء من معركة الإسلام لتحرير المحتوى الداخلي للإنسان « فهو كما حرر الإرادة الإنسانية من عبودية الشهوات ، كذلك حرر الوعي الإنساني من عبودية التقليد ، وبهذا وذاك أصبح الإنسان حرا في تفكيره وحرا في إرادته » « 1 » . ب - حث العقل على التفكير والنظر والتدبر : إن التفكير جهد يبذله العقل في سبيل اكتساب معارف وعلوم جديدة من معارف سابقة وموجودة ومرتكزة في الذهن . فهو يقوم بدور كبير في التنمية العقلية لأن « من أهم وظائف العقل البشري : التفكير والتأمل والنظر . وإذا تعطلت هذه الوظائف تعطل نشاط العقل ونموه وقدرته على العطاء ويتبع ذلك توقف النشاط البشري وجموده بل وفناؤه » « 2 » . فالعقل ينمو على أثر التفكير المنطقي ، ويظهر كماله الباطني بصورة تدريجية ، فقد دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى التفكير الواعي المتبصر بما يهدي المسلم إلى سواء السبيل في الدين والدنيا فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « عوّدوا قلوبكم الترقب وأكثروا التفكر والاعتبار » « 3 » . ولم يغفل الصادق في تربيته عن هذه القضية ، عندما كان يدرّب تلاميذه على التدبر والنظر ويعتبر بأن : « كثرة النظر في العلم تفتح العقل » « 4 » فهو يرى التفكير من أعظم العبادات لأنّها « عبادة حرّة طليقة من كل قيد إلّا قيد واحد وهو التفكر في ذات اللّه » « 5 » . فقال : « أفضل العبادة إدمان التفكر في اللّه وقدرته » « 6 » .

--> ( 1 ) محمد باقر الصدر ، المدرسة الإسلامية ، دار الزهراء للطباعة والنشر ، بيروت ، ط 3 ، 1980 ، ص 127 . ( بتصرف ) ( 2 ) عبد الحميد الزنتاني ، أسس التربية الإسلامية في السّنة النبوية ، مرجع سابق ، 516 . ( 3 ) المتقي الهندي ، كنز العمال ، ج 3 ، ص 106 ، ح 5709 . ( 4 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 159 ( 5 ) مالك بدري ، التفكر من المشاهدة إلى الشهود ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، 1981 ، ص 69 . ( 6 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب التفكر ، ح 3 .