حسناء ديالمة
204
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
وقد فتح الإمام الصادق أبواب مدرسته على مصراعيها أمام الجميع ولم يقتصر دوره العلمي على تلامذته من أتباع مذهبه ، وإنما كان همّه إيصال الفكر الرسالي إلى الأمة جمعاء . ولذلك كانت مدرسته تستوعب مختلف الاتجاهات . فعند ما نقرأ أسماء الرواة الذين رووا عنه أو الذين تعلموا عنده نجدهم لا ينطلقون من لون واحد ، بل كانوا يتحرّكون في ألوان متعددة ، تلتقي عند الإنسان الذي يستطيع أن يجمع الألوان عند لون الحقيقة الذي يستطيع أن ينفتح على الجميع . * أنواع علومها : وقد حضّ الإسلام على الخوض والاختصاص بجميع أنواع العلوم والمعارف خصوصا التي تتطور بها الحياة الفكرية والاجتماعية . و « الدين الإسلامي لا يخص دعوته لتعلم العلوم الدينية فحسب ، وإنما يخص فرض العين بها ، ويرغب في تعلم كل علم فيه إسعاد الحياة ، ولا تفترق علوم الدين عن غيرها مما يحتاج إليه النوع من إسعاد الحياة ويضطر إليه ، إلا في رجحان العلوم الدينية على غيرها ، وعينية الوجوب فيها على كل أحد وكفائيته في غيرها » « 1 » . فإنّ العلم الذي حث الإسلام على طلبه لا يتقيد بنوع خاص ، وإنما يشمل جميع أنواع العلوم والفنون ، هذا لأنّ « غرض التربية عند المسلمين يتمثل في إعداد المرء للحياة الدنيا والآخرة » « 2 » ومن ثم يرى الإمام الصادق بأن لا شيء بعد التفقه في الدين وتطبيق أحكامه أفضل من معرفة العلوم والآداب الطبيعية وقوانينها ، لذلك كان من الطبيعي أن يؤكد وحدة الدين والعلم . فقال : « لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفرغ إليهم في أمور دنياهم وآخرتهم ، فإن عدموا ذلك كانوا همجا : فقيه عالم ورع ، وأمير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة » « 3 » . واللافت للنظر حقا هو صيغة التكامل والشمول التي تميز بها الصادق في تناول العلوم الدينية والعلوم الدنيوية ، وعدم الفصل بينهما ، حتى إنه يجعل الأمير والفقيه والطبيب على سواء ، ويستخدم نتائج العلوم الطبيعية للاستدلال على عظمة الإله وقدرته ، وفي التدليل على صدق التبليغ عنه . ومن ثم أطلّت « عين جعفر على حقائق العلم فرآها في علوم الدنيا وعلوم الدين ، فلم يدع واحدا منهما ليلقي نفسه على الآخر ، وإنما قدم ما حقه التقديم ، ولم ينس
--> ( 1 ) أمير محمد القزويني ، الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية ، مرجع سابق ص 200 . ( 2 ) عبد الرحمن عثمان الحجازي ، المذهب التربوي عند ابن سحنون ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1986 ، ص 55 . ( 3 ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 32 .