حسناء ديالمة

184

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

المصلّي حاضرا بجسده وهيكله في موضع الصلاة ، وغائبا بروحه ووعيه عمن يناجيه ويعبده فلهذا قال أبو عبد اللّه : « إنّي لأحبّ للرجل منكم المؤمن إذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه إلى اللّه ولا يشغل قلبه بأمر الدنيا ، فليس من مؤمن يقبل بقلبه في صلاته إلى اللّه إلا أقبل اللّه إليه بوجهه » « 1 » . فينصح الصادق تلاميذه نصائح غاية في الأهمية في تحصيل إقبال القلب في الصلاة فيقول : « إذا صلّيت صلاة فريضة فصلّها لوقتها صلاة مودع يخاف أن لا يعود إليها أبدا ، ثم اصرف ببصرك إلى موضع سجودك فلا تعلم من يمينك وشمالك لأحسنت صلاتك واعلم أنك بين يدي من يراك ولا تراه » « 2 » . أمّا صلاة الجماعة فإنها من أوثق الأسباب لترابط المسلمين وتآلفهم واجتماعهم على صعيد المحبة والألفة ، من هنا فقد أولاها الصادق المزيد من اهتمامه بها متأسيا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتكسب المسلمين وحدة وقوة ومنعة ، ويتميز بها الصالح من الطالح والمطيع من العاصي . قال الإمام : « إنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة ، لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي ، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع . ولولا ذلك لم يتمكن أحد أن يشهد على أحد بصلاح لأن من لم يصلّ في جماعة فلا صلاة له بين المسلمين ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا صلاة لمن لم يصلّ في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة » « 3 » . فالصلاة بصورة جماعية تكون مظهرا من مظاهر التعبد الجماعي ، ذلك أنّ المسلمين يتوجهون بقلب واحد وشعور واحد نحو قبلة واحدة ورب واحد ليستشعروا جميعا وحدة التوجه البشري إلى اللّه إضافة إلى أنّ الخطب والتوجيهات في الجماعة تنمي ثقافة الجماعة الدينية ، ولمثل هذه الأسباب ورد عن الإمام الصادق : « إنّ على الإمام أن يخرج المحبوسين في السجن يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد ، ويرسل معهم من يحفظهم ، فإذا قضوا الصلاة والعيد ردّهم إلى السجن » « 4 » . على صعيد آخر حضّ الصادق تلاميذه على النوافل عامّة وصلاة الليل خاصّة ، فقال : « لا تدع قيام الليل ، فإنّ المغبون من حرم قيام الليل » « 5 » . هكذا يعتبر الصادق الصلاة مدرسة إصلاحية للتربية ويريد بكل توجيهاته أن يجعل

--> ( 1 ) المفيد ، الأمالي ، جماعة المدرسين ، قم ، د . ت . ص 150 ، ح 7 . ( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 81 ، ص 233 . ( 3 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 3 ، ص 39 ، ح 3280 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 31 ، ح 3265 . ( 5 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 2 ، ص 122 ، ح 462 .