حسناء ديالمة

163

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

اللّه له أفضل من تدبيره لنفسه ورحمته تعالى به أعظم من رحمة أي شخص به . وهذا ما ركّز عليه الإمام مرة بالموعظة والإرشاد ومرة بالقدوة ، فقد روي عنه : « حين توفي ابن له فخشي عليه الجزع ، فخرج هادئا سالما فقال له قائل : وخشينا عليك ، فقال الإمام : « إنا ندعوا اللّه فيما نحبّ فإذا وقع ما نكره لم نخالف اللّه فيما يحبّ » « 1 » . والأمر الذي يجب إمعان النظر فيه هو أنّ اهتمام الإمام بترسيخ الإيمان الصحيح بالقضاء والقدر لا يتعارض مع رأيه في حرية الإنسان واختياره ، ذلك لأنّ اللّه تعالى مكّن الإنسان أن يمارس اختياره في وسط نظام محكم ومتقن من القضاء والقدر في الحياة الاجتماعية وفي الكون . فلا يضرّ الاختيار بحتمية القضاء والقدر ، ولا يمس القضاء والقدر من حريّة الإنسان في الاختيار على الإطلاق . فالإمام جمع بين الرضاء بالقضاء والتسليم بالقدر ، وتحمل الإنسان مسؤولية عمله والحساب عليه محذرا تلاميذه من الوقوع في شبهة القعود عن تغيير الواقع والتواكل وتصور الجبر فقال لتلميذه زرارة بن أعين : « يا زرارة أعطيك جملة في القضاء والقدر ثم قال : إنّه إذا كان يوم القيامة وجمع اللّه الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضي عليهم » « 2 » . هذا الكلام يلقي الضوء على أن اللّه تبارك وتعالى لا يؤاخذ الإنسان فيما يجري من أمور خارجة عن حدود إرادته ، فلا يحاسبه على ما نزل فيه بمحض القضاء إنما يواخذ فيما يفعله من أعمال بإرادته ، فالمسلم عندما يتم له التصور الصحيح لمفهوم القضاء والقدر لا يخلط بينه وبين مواقع المسؤولية الإنسانية . فما يجري بمحض القضاء والقدر فإنه يستقبله بالتسليم والرضا ، ويعلم أنّه عين الحكمة ، وأمّا ما يقع في دائرة المسؤولية الإنسانية فإنّه يباشر فيه الأسباب وفق ما أمر اللّه ، ويحاسب نفسه ويحاسب الآخرين .

--> ( 1 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 435 . ( 2 ) عبد العزيز سيد الأهل ، جعفر بن محمد ، مرجع سابق ، ص 101 .