حسناء ديالمة
161
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
وقد شكا إليه رجل الوسواس ، فقال له : « أذكر تقطّع أوصالك في قبرك ورجوع أحبابك عنك إذا دفنوك في حفرتك وأكل الدود لحمك ، فإن ذلك يسلي عنك ما أنت فيه » « 1 » . قال الرجل : فو اللّه ما ذكرته إلا سلّي عني ما أنا فيه من همّ الدنيا . هكذا يعالج الإمام همّه الدنيوي بذكر هموم الآخرة وما فيها . وبما أنّ الموت بداية الحياة الآخرة الذي لا بدّ منه ، فالمؤمن يذكر الموت دائما فيكثر من الخير ابتغاء ثوابه ويبتعد عن الشر خوف عذابه . وقد يشير الإمام إلى الآثار العقدية والنفسية والخلقية لذكر الموت بأنّه « يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة ، ويقوي القلب بمواعد اللّه ويرقّ الطبع ويكسر أعلام الهوى ويطوي نار الحرص ويحقر الدنيا » « 2 » . إن الاعتقاد باليوم الآخر يشمل الاعتقاد بمجموعة من الحقائق التي وردت في الكتاب والسّنة كفتنة القبر وعذابه ونعمه والبعث والحشر والحساب والجنة والنار . . . والصادق يلفت الأنظار إلى بعض هذه المراحل ، لتحقيق الإيمان التام البصير بالمرجع الذي تنتهي إليه حياة الإنسان ؛ ومنها كلامه في توصيف لحظة خروج الروح من الجسد بأنها » للمؤمن كأطيب ريح يشمه ، فينعس لطيبه ، وينقطع التعب والألم كله عنه ، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب وأشد » « 3 » . فنرى في تعاليم الإمام كثيرا من هذه الحقائق وتفاصيلها التي ذكرها مستندا إلى ما جاء في الكتاب والسّنة ، مبتدئا ببيان أمر ملك الموت وأعوانه ، وسكرات الموت ومقدماته ، وما يراه المؤمن والكافر عند الموت ، وما يجري على الميت في القبر ، وسؤاله وضغطه ، والبرزخ ، وما يلحق الرجل بعد موته من الأجر ، وأحوال يوم القيامة ومواقفها ، وكيفية الحشر والحساب ، والصراط وأوصاف الجنة والنار « 4 » . بهذا كله يقوي الإمام الوازع الديني والنفسي الذي يرغب في الخير ويصد عن الشر . و - المعرفة والإيمان بالقدر : إنّ الإيمان بالقدر خيره وشره جزء من الإيمان باللّه ويتفرع عنه ، والمقصود
--> ( 1 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 2 ، ص 435 ، ح 2570 . ( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 133 ، ح 32 . ( 3 ) محمد كاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 11 ، ص 23 . ( 4 ) وقد ورد تفصيلها في موسوعة الإمام الصادق لمحمد كاظم القزويني ، واختص مجلد كامل ( 11 ) بهذا البحث .