حسناء ديالمة

149

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

« إن الأشياء تدل على حدوثها ، من دوران الفلك بما فيه ، وهي سبعة أفلاك ، وتحرك الأرض ومن عليها ، وانقلاب الأزمنة ، واختلاف الوقت ، والحوادث التي تحدث في العالم : من زيادة ، ونقصان ، وموت ، بأن لها صانعا ومدبرا ، ألا ترى الحلو يصير حامضا ، والعذب مرّا ، والجديد باليا ، وكلّ إلى تغير وفناء » « 1 » . هذا الكلام يبيّن أن كلّ هذه التغييرات الكونية لا بدّ لها قطعا من سبب حقيقي كامل القدرة ، ينتهي إليه معنى الخلق والإبداع . وقد يحتّج الإمام بدليل التسخير والاضطرار ، فيرى بأنّ كل مضطر مخلوق ولا بدّ له من مدبّر فقال : « أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان فلا يشتبهان ، ويرجعان ، قد اضطرا ، ليس لهما مكان إلا مكانهما ، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان ؟ وإن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا ، أو النهار ليلا ؟ ! اضطرا إلى دوامهما ، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر . إن الذي تذهبون إليه ، وتظنون أنه الدهر ، إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم ، وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم ؟ لم السماء مرفوعة والأرض موضوعة ؟ لم لا تسقط السماء ، على الأرض ، لم لا تنحدر الأرض فوق أطباقها ، ولا يتماسكان ولا يتماسك من عليها ؟ » « 2 » كما يستدل الصادق على وجود صانع الكون ومدبره بسمات الافتقار والحاجة في الموجودات . فكون الإنسان وغيره من الأشياء فقيرا ومحتاجا ذاتيّا دليل واضح على أنه معلول ومخلوق . وقد نراه يأتي بأوجز بيان في البرهان مع الوفاء بالقصد ، وذلك حين يسأل عن الدليل على الواحد فيقول : « ما بالخلق من حاجة » « 3 » . فإنا نجد الناس في حاجة مستمرة في كل شأن من شؤون الحياة ، وهذه الحاجة تدل على وجود مآل لهم في حوائجهم إلى غني عنهم بذاته . وبما أن التوحيد هو الأصل الأصيل الذي تقوم عليه المعرفة الدينية فقد بذل الإمام جهده طوال حياته في تثبيت أركان هذا المعتقد العقلي والديني ومنها ما احتجّ على الزنديق الذي ادّعى اثنين فقال : « لا يخلو قولك : إنهما اثنان ، من أن يكونا قديمين قويين ، أو يكونا ضعيفين ، أو يكون أحدهما قويّا والآخر ضعيفا ، فإن كانا قويين لم لا يدفع كل واحد منهما

--> ( 1 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 10 ، ص 166 . ( 2 ) الصدوق ، التوحيد ، ص 295 . ( 3 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 377 .