حسناء ديالمة
145
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
وعندما سئل الإمام الصادق عن معنى هذه الآية الشريفة قال : « فطرهم جميعا على التوحيد » « 1 » . وفي هذا الكلام تأكيد على أنّ الفطرة ليست غرسا من غراس البشر يغرسه المربون في نفوس وقلوب الأجيال وإنّما هو غرس ربّاني جبلّي يملكه كل إنسان من غير تربية ومن غير تعليم ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » « 2 » . أي إن الإقرار بوجود اللّه مركوز في جبلّة الإنسان وكيانه ، فيكون دور المربين هو تعهد الفطرة والمحافظة على سلامتها وخيريتها . ومن هذا المنطلق ، اهتم الإمام الصادق بإحياء بذور الفطرة في الناس ولفت الأنظار إلى أن هناك معرفة فطرية عامة لا يفقدها أحد ، سواء فيها العالم والجاهل ، والمؤمن والكافر ، فوصف اللّه بأنّه تعالى « معروف عند كل جاهل » « 3 » . ومما يدل على هذه المعرفة الفطرية بوجوده سبحانه أن الإنسان عند مواجهته للحوادث المهيبة ، ويأسه من الأسباب المعروفة عنده ، يوقن أن هناك خالقا عظيما يقدر على نجاته لو شاء ، فاستشهد به الإمام حين سأله رجل : ما الدليل على اللّه ؟ ولا تذكر لي العالم والعرض والجوهر ؟ فقال له : هل ركبت البحر ؟ قال : نعم . قال : هل عصفت بكم الريح حتى خفتم الغرق ؟ قال : نعم . قال : فهل انقطع رجاؤك من المركب والملاحين ؟ قال : نعم . قال : فهل تتبعت نفسك أن ثم من ينجيك ؟ قال : نعم . قال : فإن ذاك هو اللّه . قال اللّه تعالى : ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ « 4 » . فقد ذكّر الصادق السائل بالميثاق المعهود بين فطرة البشر وخالق البشر الذي يظهر في حالة الشدّة في صورة الالتجاء إلى اللّه تعالى . ويشير بأنّ الإنسان في مثل هذا المأزق الحرج يجد نفسه تتعلّق بقوة غيبية عليا ، يؤمن بأنّها أقوى قوة في الوجود وبأنّها قادرة على أن تخلّصه من هذه الشدة ، فيلجأ إليها ويطلب منها النجاة ، و « هذا الاندفاع الفطري للتعلق باللّه تعالى والإيمان بقدرته
--> ( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب فطرة الخلق ، ح 3 . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب القدر ، ح 2658 . ( 3 ) الصدوق ، التوحيد ، ص 58 . ( 4 ) سورة النحل ، الآية 53 ، الزمخشري ، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ، مطبعة العاني ، بغداد ، ج 1 ، ص 663 .