السيد الخامنئي

38

دروس تربوية من السيرة النبوية

الأكرم صلّى اللّه عليه وآله في طفولته : لقد رحل والده عن الدنيا قبل ميلاده طبقا لإحدى الروايات « 1 » ، أو بعد ميلاده ببضعة أشهر طبقا لرواية أخرى « 2 » ، فلم يره . وكان من تقاليد العوائل النبيلة والأصيلة في الحجاز آنذاك أن تتخيّر لأبنائها من السيدات العفيفات والأصيلات والشريفات من ترضعه وتقوم بتربيته في أوساط القبائل العربية في البادية . فكان هذا الوليد العزيز من نصيب سيدة أصيلة وشريفة من قبيلة بني سعد تسمى « حليمة السعدية » ، فأخذته حيث تعيش قبيلتها ، وظلت نحو ستة أعوام ترضعه وتربّيه ، حتى نشأ النبي صلّى اللّه عليه وآله وشبّ عن الطوق في البادية « 3 » . وكانت حليمة تأخذه أحيانا إلى أمّه - السيدة آمنة - لتراه ، ثم ما تلبث أن تعود به إلى حيث كانت تعيش . وبعد ستة أعوام ، ولما صار هذا الصبي في حالة مقبولة من النمو الجسمي والروحي ، وبات قوي البنية ، جميلا ، ونشيطا ، ونبيها ، وبرزت فيه صفات الصلابة والصبر وحسن الخلق والسلوك وسعة الأفق ، والتي هي من لوازم الحياة في تلك الظروف ، فإن السيدة حليمة أعادته إلى أمّه وقبيلته . وعندئذ أخذته أمّه إلى يثرب لزيارة قبر أبيه عبد اللّه الذي مات ودفن هناك . حتى إن النبي صلّى اللّه عليه وآله لمّا جاء إلى المدينة المنورة بعد ذلك قال لدى مروره بذلك المكان : هاهنا قبر والدي ، وما زلت أتذكر أنني كنت قد قدمت مع أمي إلى هنا ، غير أن أمّه

--> ( 1 ) انظر طبقات ابن سعد : 1 / 99 . ( 2 ) انظر الكافي : 7 / 139 . ( 3 ) لقد شرف اللّه تعالى حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية برضاعه وخصها بتربيته وكانت ذات عقل وفضل فروت من آياته ما يبهر عقول السامعين وأغناها اللّه ببركته في الدنيا والدين وكان لا يرضع إلا من ثديها اليمين ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه الهم العدل حتى في رضاعه لأنه علم أن له شريكا فناصفه عدلا منه صلّى اللّه عليه وآله . قالت حليمة : فكان ثديي اليمين لرسول اللّه واليسار لولدي ضميرة وكان ولدي لا يشرب حتى يراه قد شرب . قالت : ولم أر قط ما يرى للأطفال طهارة ونظافة وإنما كان له وقت واحد ثم لا يعود إلى وقته من الغد ، وما كان شيء أبغض إليه من أن يرى جسده مكشوفا فكنت إذا كشفته يصيح حتى استر عليه . ( انظر كنز الفوائد - أبو الفتح الكراجكي : 72 ) .