السيد كمال الحيدري
63
التربية الروحية
تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل ، فالخلق إذن عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة » « 1 » . وفي قوله « الخُلُق عبارة عن هيئة للنفس راسخة . . . » إشارة إلى وجود هيئات للنفس غير راسخة أيضاً ، إذ الهيئات في الإنسان على قسمين : الأول : هيئات غير راسخة : وهي الهيئات التي تزول بسرعة كاحمرار وجه الإنسان عند الخجل أو اصفراره عند الخوف . الثاني : هيئات راسخة : وهي الهيئات التي لا تزول ؛ إما لا تزول أصلًا كلون الإنسان مثلًا لأنها غير اختيارية ، أو لا تزول بسهولة ، وإذا زالت لسبب ما فإنها سرعان ما ترجع مرّة أخرى وهذه مورد بحوثنا وتسمى بالملكات الاختيارية كالعدالة والشجاعة . فالعادل قد يرتكب ما ينافي العدالة ولكنه سرعان ما يندم على فعلته ويعود إلى عدالته ، وهذا معنى قولنا : إن العدالة هيئة راسخة في وجود مثل هذا الإنسان . ثم اشترط السهولة واليسر في صدور الأفعال عن هذه الهيئات ، قال : « هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر . . . » فلو صدرت هذه الأفعال من فاعلها بصعوبة وتردّد لما عدت له تلك الصفة مَلكة وخُلقاً ، فمن يتردّد مرّات عديدة قبل أن يتصدّق على فقير لا يعد سخياً ، ومن يقدّم رجلًا ويؤخّر أخرى في ساحة الحرب لا يعدّ شجاعاً ،
--> ( 1 ) ( ) إحياء علوم الدين ، تصنيف الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي ، المتوفى سنة 505 ه ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ج 3 ص 53 .