السيد كمال الحيدري

207

التربية الروحية

الشكل الأول من القياس المنطقي فيحذف الطرف المتكرر أي ( الأبقى ) ليتوصل إلى النتيجة المطلوبة ، وهي ( الآخرة أولى بالاختيار والإيثار ) . وهذه النتيجة هي ما يختاره عقلاء البشر . ولا يوجد عاقل يختار ويقدم المحدود والمنقطع والمنتهي على الدائم الباقي ، خصوصاً وإن هذا المحدود قد قرنت لذّاته وخلطت بالألم والتعب والمشقة ، وإن ما هو غير محدود قد خلصت لذّاته وصفت ولم تخلط بأي نوع من الآلام والمنغصات . قد يقال : إن بإمكان الإنسان أن يجمع بينهما فيختار الدنيا والآخرة معاً ، إلّا أننا سنبين فيما بعد ، إن شاء اللّه تعالى ، أن الدنيا والآخرة في أغلب الأحيان ضرتان كلما اقترب الإنسان من إحداهما ابتعد عن الأخرى ، بل يمكن القول باستحالة الجمع بينهما مطلقاً إذا كانت الدنيا هي التعلق بغير اللّه ، والآخرة هي التعلق به عزّ وجلّ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ « 1 » فإن امتلأ القلب بحب الدنيا فرغ عن حب اللّه تعالى وإن امتلأ بحب اللّه تعالى فرغ عن حب غيره . كمثال آخر نقول : إن الإنسان بطبعه طالما يبحث عن معبِّر للرؤيا التي يراها في منامه ، فعندما يرى أنه يشرب اللبن أو الماء يقال له مثلًا بأن الماء هو الحكمة أو العلم ، فللبن ظاهر وهو هذا اللبن الذي نراه ونشربه وله باطن هو الحكمة والعلم ، فالظاهر إذن ممر للوصول إلى الحقيقة ، كالمجاز في اللغة الذي هو ممر للوصول إلى المعنى الحقيقي .

--> ( 1 ) ( ) الأحزاب : 4 .