السيد كاظم الحائري

602

تزكية النفس

وتعالى في نفس كلّ فرد من أفراد البشر ، لا يخطأ في فهمه وإدراكه ، وهي الجوهرة الربّانيّة والرسول الباطني الذي أرسل لهداية البشر ، بمعونة العقل النظري في النظريّات المحتاج إليها للوصول إلى النتائج الخارجيّة : من إدراك الخالق ، أو معرفة الرسول ، وما شابه ذلك ، ولكن هذا الضمير على رغم ماله في حدّ ذاته من صفاء ونور وجلاء ، يبتلى هو أو يبتلى الإنسان بالقياس إليه بمشكلتين : الأولى : أنّ الشهرة أو العادة أو العقل الجمعي أو القرار الاجتماعي على شيء لأجل المصالح أو لأجل نزعات نفسيّة أو لأيّ عامل آخر وما إلى ذلك ، تخلق في النفس في كثير من الأحيان قناعات معيّنة ، وقد تسمّى أو يسمّى بعضها بالمشهورات أو الآراء المحمودة ، فيقع الاشتباه في النفس - أحيانا - بين هذه الإدراكات التي دخلت من العوامل الغريبة إلى النفس ، وبين الإدراكات التي هي من صميم النفس ، والتي تنبع من الضمير أو الفطرة اللذين لا يخطأان ، فلا بدّ من التيقّظ الكامل في التشخيص بينهما . ومن العلائم التي تنفع كثيرا في الفصل بينهما : أنّ المدرك بالضمير أو الفطرة ، يكون - عادة - أعمّ شمولا وانتشارا بين أصناف الناس المختلفة ؛ لأنّها نبعت من النفس البشريّة التي هي أمر مشترك بين الجميع ولكن القناعات الناتجة من العوامل الخارجيّة والغريبة على النفس تكون - عادة - أقرب إلى الاختلاف باختلاف الظروف والبيئات . والثانية : أنّ هذه الجوهرة الربّانيّة تقع - أحيانا - تحت الغبار ، فيخفت نورها ، أو ينطفئ لا سمح اللّه . والغبار الذي يغطّي هذه الجوهرة بستار رقيق أحيانا وكثيف أخرى غباران : أحدهما : غبار الشبهات والمغالطات التي قد يتخيّل الإنسان كونها براهين عقليّة فيذعن لها ، وبهذا يغطّي وجدانه وضميره أو فطرته . وعلاج ذلك إذكاء العقل النظري وتنميته وشدّة الالتفات والتيقّظ .