السيد كاظم الحائري
558
تزكية النفس
وقد مضت في أوائل الحلقة الثانية من حلقات هذا الكتاب قصّة أحد قطّاع الطريق اسمه فضيل بن عياض : عشق جارية ، فبينما يرتقي الجدران إليها سمع تاليا يتلو أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ . . . فأخذته الصحوة وقال : يا ربّ ، قد آن فرجع وتاب « 1 » . وقد مضى في أوائل الحلقة الثالثة من هذا الكتاب تفسير التوبة النصوح بالتوبة التي تخلق في النفس تغيرا وانقلابا وتطهيرا ، بشكل لن يرجع صاحبها إلى ذلك الذنب أبدا . وخير تعبير عن التوبة النصوح تعبير ورد عن إمامنا زين العابدين سلام اللّه عليه في دعاء التوبة : « اللهمّ إنّي أتوب إليك في مقامي هذا من كبائر ذنوبي وصغائرها ، وبواطن سيّئاتي وظواهرها ، وسوالف زلّاتي وحوادثها ، توبة من لا يحدّث نفسه بمعصية ، ولا يضمر أن يعود في خطيئة . وقد قلت يا إلهي في محكم كتابك : إنّك تقبل التوبة عن عبادك ، وتعفو عن السيّئات ، وتحبّ التوابين ، فاقبل توبتي كما وعدت ، واعف عن سيّئاتي كما ضمنت ، وأوجب لي محبّتك كما شرطت ، ولك يا ربّ شرطي إلّا أعود في مكروهك ، وضماني أن لا أرجع في مذمومك ، وعهدي أن أهجر جميع معاصيك . . . » « 2 » . 2 - ينبغي أن يلتفت هذا المعتاد الذي أصبح بصدد معاكسة العادة ومحاربتها ، إلى أنّه لو خالف تركه للعادة مرّة واحدة في الأثناء ، ورجع إلى عادته قبل استئصالها من نفسه ، فهذه المرّة الواحدة ضررها عليه أكثر بكثير من نفع الرياضة التي يتحمّلها طوال مدّة مديدة في سبيل مخالفة العادة ؛ ذلك لأنّ العمل على طبق ما اعتاد عليه باعتباره عملا موافقا لميله ورغبته النفسيّة ، وجريا على وفق التيار
--> ( 1 ) سفينة البحار ، مادّة ( الفضيل ) ، والآية : 16 في السورة 57 ، الحديد . ( 2 ) الدعاء : الواحد والثلاثون من الصحيفة السجاديّة .