السيد كاظم الحائري

542

تزكية النفس

إمرتكم إلّا أن أقيم حقّا أو أدفع باطلا . . . » « 1 » . وفي الواقع : لا تنافي - أبدا - بين الزهد بمعنى ترك الحرام والشبهات ، وأن لا يملكك من الدنيا مباحها فضلا عن حرامها ومكروهها من ناحية ، وبين العمل بخلافة اللّه في أرضه في سبيل تعمير البلاد ، لأجل العباد ، وخدمة المجتمع ، ونشر الهدى ، وترفيه المؤمنين من ناحية أخرى . ولا تضارب - أبدا - بين الزهد بمعنى أن لا يأسو الإنسان على ما فاته باعتبار مصلحته الشخصية ، ولا يفرح بما أوتي من زاوية تلك المصلحة من ناحية ، وبين الإقبال على نعم الدنيا والسعي في تنميتها بالطرق المحلّلة لمصلحة المجتمع الإسلامي ، لا لنفسه من ناحية أخرى ، بل وإقبال المال الحلال على الإنسان مع افتراض أن يكون الإنسان هو المالك له لا أن يكون المال مالكا لقلبه لا ينافي الزهد أيضا . الثاني : ما يحس به - أيضا - من التنافي الوهمي بين حالة العبادة الفردية ، والإقبال على اللّه تعالى في المناسك التي يختلى فيها مع اللّه تعالى من ناحية ، والإقبال على الأعمال الاجتماعيّة المطلوبة ، والتعايش مع الناس وفي الناس لأجل اللّه من ناحية أخرى . فترى كثيرا من المتعبدين يجنحون إلى مستوى من الترهبن والابتعاد عن الخلق ، وترى كثيرا ممّن يقدّمون خدمات اجتماعيّة مشكورة مقصّرين في مستوى الخلوة مع اللّه والانقطاع العبادي إلى اللّه تعالى ، في حين أنّه لا يوجد أيّ تناف بين الأمرين عدا ما يخلقه الوهم في النفوس نتيجة ضيق أفق النفس .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : 70 الخطبة : 33 قال الشريف الرضي رحمه اللّه : ومن خطبة له عليه السّلام عند خروجه لقتال أهل البصرة قال عبد اللّه بن عباس : « دخلت على أمير المؤمنين عليه السّلام بذي قار وهو يخصف نعله ، فقال لي : ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت : لا قيمة لها . فقال عليه السّلام : واللّه لهي أحبّ إليّ من إمرتكم ، إلّا أن أقيم حقّا أو أدفع باطلا . . . » .