السيد كاظم الحائري
382
تزكية النفس
لا يعني عدم الالتفات إلى الثواب والعقاب ، فانظر إلى رواية أبي الدرداء ، وإليك نصّها : ورد عن عروة بن الزبير قال : « كنّا جلوسا في مجلس في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا أخبركم بأقلّ القوم مالا ، وأكثرهم ورعا ، وأشدّهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا : من ؟ قال : أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، قال : فو اللّه إن كان في جماعة أهل المجلس إلّا معرض عنه بوجهه . ثمّ انتدب له رجل من الأنصار فقال له : يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها ، فقال أبو الدرداء : يا قوم إنّي قائل ما رأيت ، وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا : شهدت عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجّار ، وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممّن يليه ، واستتر بمغيلات النخل ، فافتقدته ، وبعد عليّ مكانه ، فقلت : لحق بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول : إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك ، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا بمؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك . فشغلني الصوت ، واقتفيت الأثر ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بعينه ، فاستترت له ، وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى ، فكان ممّا به اللّه ناجاه أن قال : إلهي أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي ، ثمّ قال : آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول : خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء ، ثمّ قال : آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشوى « 1 »
--> ( 1 ) ( بفتح الشين ) جمع شواء بضمّه ، وهي : جلدة الرأس ، وقيل : الآخر من اليد والرجل وغيرهما . مجمع البحرين 1 / 253 .