محمد الجبر
29
البنى الأساسية في علم الأخلاق
« لا يتعرف سبينوزا مطلقا على الله . . . فهو ملحد لأنه لا يعترف بالعناية الإلهية ولا يقبل إلا بأزلية وامتدادية وضرورة الأشياء . . . إنه يقلب كل أسس الأخلاق » « 1 » فهم جيدا معاصر وسبينوزا البعد الثوري لأفكاره ، فحرمه اليهود وطعنوه بخنجر ، ومنعه اتباع كالفن ( Calvin ) من الإقامة في امستردام ولعنته الكنيسة الكاثوليكية . كان أول مسعى لسبينوزا ، إبعاد الوهم عن مفهوم حرية الإرادة : « يعتقد الناس أنهم أحرار فقط بسبب اعتقادهم أنهم مدركون لأفعالهم وجاهلون لمقدورهم » « 2 » . وأبعد مفهومي العناية الإلهية والغائية الميتافيزيقيين : لا تتصرف الطبيعة لغاية . يتصرف الأزلي وغير المنتهي الذي نسميه الطبيعة أو الله وفق ضرورة وجوده . كما أبعد أيضا ازدواجية الخير والشر . « أبين لكم كيف نشأت من فكرة الغائية الآراء المتعلقة بالخير والشر ، بالمديح والذم ، بالنظام والفوضى ، بالجمال والقبح وأشياء أخرى من نفس النوع » « 3 » تقتضى المرحلة الأولى لكل علمية نبذ الأوهام الدينية والمثالية وبذلك لا يعود الإنسان قزما ولا خارقا ، فليقتنع بأننا جزء من الطبيعة الكاملة ونتبع نظامها . . . تتماشى هذه الأخلاق مع الأمنية العميقة في حياة حرة وقوية وسعيدة . الفرح والحزن عاطفتان تزيدان أو تقللان من الطاقة والجهد الكامنين في كل كائن على حد تعبير اسبينوزا . لا يلزم التضحية بطاقاتنا وبفرحنا ، أو بكل ما هو إنساني فينا لنرتفع إلى أعلى درجات الأخلاق : « أفهم من كلمة خير كل ألوان الفرح ، أو كل ما يؤدي إليه . . . ومن كلمة شر كل صورة الحزن ، أو كل شيء آخر يؤدي إليه . . . » ليس الفرح سوى إدراك طاقتنا
--> ( 1 ) فولتير ، الرسائل الفلسفية ص 85 . ( 2 ) فارياش - تاريخ الفلسفة الحديثة ص 167 . ( 3 ) نفس المصدر ص 155 .