عبد الرحمن بدوي

24

الأخلاق عند كنت

على أننا لا نستطيع أن نعرف كيف تتحدد الأشياء في ذاتها ، وكل ما نعرفه هو كيف تندرج موضوعات التجربة تحت تصورات الذهن . ومن الواضح أنني أقر ليس فقط بإمكان ، بل وأيضا بضرورة إدراج كل الظواهر تحت تصورات الذهن ، أي استعمالها بوصفها مبادئ لإمكان التجربة . إن التصورات والمبادئ لا تتعلق بالأشياء في ذاتها ، بل بالأشياء بوصفها موضوعات للتجربة . والمبادئ لا تحتوي على شيء موجود في الظواهر بوصفها ظواهر ، أي إدراكات حسيّة ، لأنها مبادئ للذهن . بيد أن كل الظواهر خاضعة لهذه المبادئ ، من حيث إن الادراك الحسيّ ليس مرادفا للتجربة ، إذ ليست التجربة مجرد تركيب من إدراكات حسيّة ؛ بل هي « توحيد تركيبي للإدراكات الحسية في الشعور بوجه عام » ( بند 29 ) . والمقولات هي الأخرى لا معنى لها بالنسبة إلى الأشياء في ذاتها . وبالجملة ، فإن تصورات الذهن المحضة ( المبادئ ، المقولات ، الخ ) لا تتعلق بالأشياء في ذاتها Noumena . « إنها لا تفيد إلّا في تهجّي الظواهر ابتغاء إمكان قراءتها بوصفها تجربة ؛ والمبادئ الناجمة عن علاقتها بالعالم الحسّي لا تفيد إلا ذهننا من أجل استخدام التجربة ؛ ووراء ذلك فهي مجرد ارتباطات اعتباطية بغير حقيقة موضوعية ، لا يمكن معرفة إمكانيتها قبليا ، ولا تأييد أو تعقل الرابطة بالموضوعات عن طريق الأمثلة ، لأن كل الأمثلة لا يمكن أن تستمد إلّا من تجربة ممكنة من نوع ما ، وتبعا لذلك فإن موضوعات هذه التصوّرات لا يمكن العثور عليها إلّا في تجربة ممكنة . « وهذا الحل الشامل للمشكلة التي أثارها هيوم ، وإن كان مضادا لتوقعاته ، يحتفظ إذن لتصورات الذهن المحضة ، ولأصلها القبلي وللقوانين العامة للطبيعة - بصدقها بوصفها قوانين للذهن ، لكن بحيث يقتصر استخدامها على التجربة ، لأن إمكانها لا أساس له إلّا في علاقة الذهن بالتجربة ، لا بمعنى أن هذه القوانين مستمدة من التجربة ، وإنما بمعنى أن التجربة مستمدة منها ؛ ولم يخطر