عبد الرحمن بدوي

11

الأخلاق عند كنت

لقد كنت بعيدا تماما عن الإقرار بالنتائج التي توصّل إليها ، وهي ناتجة عن كونه لم يمتثل المشكلة بكل سعتها وإنما تناولها من أحد جوانبها فقط ، مما لا يفسّر شيئا لو لم يتناولها في مجموعها » . وقد رأينا من قبل أن كنت قد صرّح تصريحا مشابها ، ولكنه موجز ، في « نقد العقل المحض » ( ص 785 ) . ما ذا كان هذا التنبيه ؟ لقد رأى كنت أنه ليس فقط فكرة العلة ، بل الميتافيزيقا كلها مؤلفة من معان أو تصورات من هذا النوع الذي كشف عنه هيوم . وانتهى إلى أنها لا تصدر عن التجربة ، بل عن الذهن المحض . واستطاع بذلك أن يحل مشكلة الميتافيزيقا كلها . هذه المشكلة هي أن مبادئها كلها لا تستمد من التجربة أبدا ، بل تتجاوزها . فالميتافيزيقا لا تستمد مبادئها من التجربة الخارجية ، كالفيزياء ، ولا من التجربة الباطنة مثل علم النفس بل هي معرفة قبلية مستمدة من الذهن المحض ومن العقل المحض . والمعرفة الميتافيزيقية يجب ألا تشتمل إلّا على أحكام قبلية ، أي سابقة على التجربة . إن الميتافيزيقا تعنى بالأحكام التركيبية القبلية ، وهذه وحدها هي هدفها ؛ ومن أجل بلوغه ، فإنها في حاجة إلى تحليل لتصوراتها ، أي إلى أحكام تحليلية ، « ومع ذلك فإن انتاج المعرفة القبلية ، من وجهة نظر العيان ، كما هو من وجهة نظر التصورات ، وانتاج القضايا التركيبية القبلية ، في مجال المعرفة الفلسفية ، هو الذي يكوّن المضمون الجوهري للميتافيزيقا » « 1 » . ومن هنا تنحصر مشكلة إمكان الميتافيزيقا في مشكلة إمكان المعارف التركيبية القبلية . ذلك أن الجواب عن هذه الأخيرة هو وحده الذي يعطي الضمان لامكان وجود الميتافيزيقا .

--> ( 1 ) « مقدمة إلى كل ميتافيزيقا . . . . » 4 .