الشيخ ابراهيم الأميني
96
تزكية النفس وتهذيبها
قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « الناس في الدنيا عاملان : عامل عمل في الدنيا للدنيا ، قد شغلته دنياه عن آخرته ، يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه ، فيفني عمره في منفعة غيره ، وعامل عمل في الدنيا لما بعدها ، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل ، فأحرز الحظين معا وملك الدارين جميعا ، فأصبح وجيها عند اللّه لا يسأل اللّه حاجة فيمنعه » « 1 » . وقال عليه السّلام : « الدنيا دار ممر لا دار مقر ، والناس فيها رجلان : رجل باع فيها نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها » « 2 » . ليس الفارق بين أهل الدنيا وأهل الآخرة في أن يكون الشخص غنيا أو فقيرا ، أن يكون مشغولا بأمور الدنيا أو يكون عاطلا ، أن يقبل بالمسؤوليات الاجتماعية أو لا يقبل ، أن يحيا بين الناس أو يتجنبهم ، أن يكون مشغولا بالكسب والعمل ، أو بتحصيل العلم والتدريس ، وتأليف الكتب ، والوعظ والإرشاد ، والخطابة ، أن يستفيد من نعم الدنيا أو لا ، أن يكون لديه مقام دنيوي أو لا يكون . الفرق الأساسي في إعطائه قيمة للأمور الدنيوية أو لأمور الآخرة ، أن يكون قلبه متعلقا بالحياة الدنيا أو بحياة الآخرة ، أن يكون توجهه نحو الدنيا أو نحو اللّه ، أن يعتبر تأمين الرغبات والأهواء الحيوانية هدفا لحياته ، أو يعتبر تربية الفضائل والمكارم الإنسانية هدفا . . . إن كل أمر يشغل الإنسان ويمنعه عن ذكر اللّه والسعي في تأمين سعادة عالم الآخرة يعتبر أمرا دنيويا ، حتى لو كان تحصيلا للعلم ، أو تدريسا ، أو تأليفا للكتب ، أو الاشتغال بالإمامة والوعظ والخطابة . ولو كان الزهد في الدنيا والاشتغال بالعبادة لغير اللّه ، لعدّ أيضا من الدنيا . إذن ، اتضح لنا عدم كون كل أهل الدنيا في مرتبة واحدة ، كما أنه ليس كل أهل الآخرة في مرتبة واحدة ، بل إن بعض أهل الدنيا مستغرقين بالدنيا استغراقا كاملا ،
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، رقم 269 . ( 2 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، رقم 133 .