الشيخ ابراهيم الأميني

78

تزكية النفس وتهذيبها

إذا استغاب يصوم يوما ، أو لا يتحدث طوال أسبوع إلا عند الضرورة ، أو يتصدق بالمبلغ الفلاني ، أو لا يشرب الماء يوما كاملا ، أو يحرم نفسه من وجبة طعام ، أو يبقى تحت أشعة شمس الصيف الحارة حتى لا تنسى حرارة جهنم وأمثال هذه الأمور . ثم نراقب أنفسنا بدقة حتى لا تغتاب ، فإذا اغتابت نقف في وجهها بحزم وجد وننفذ ما هددناها به . عندما تشعر النفس الأمّارة أننا مصممون على ترك المعصية ، وأننا نجازيها دون رفق نستسلم أمام رغباتنا المشروعة ، وإذا استمرينا على هذا البرنامج مدة ما دون توقف استطعنا إغلاق سبل نفوذ الشيطان ، فنكون قد روضنا النفس الأمّارة تماما ، ولكن يشترط في ذلك أن نصمم بجد فنؤنب ونجازي النفس دون أدنى رفق ، الأمر الذي يثير العجب ، وهو أننا نسارع إلى تأنيب المخطئين مع أقل خطأ يصدر منهم ، ولكننا لا نطبق نفس الأمر مع أنفسنا لتهذيبها وإعادة بنائها . مع أن السعادة والنجاة الأخروية ترتبط بهذا الأمر ! . . لقد وفق الكثير من عباد اللّه الصالحين لتهذيب أنفسهم من خلال استخدام هذه الوسيلة . قال علي عليه السّلام : « نعم العون على أسر النفس وكسر عادتها الجوع » « 1 » . وقال علي عليه السّلام : « من استدام رياضة نفسه انتفع » « 2 » . وفي المحجة البيضاء روي عن ليث بن سليم قال : سمعت رجلا من الأنصار يقول : بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر إذ جاء رجل ينزع ثيابه ثم جعل يتمرغ في الرمضاء يكوي ظهره مرة وبطنه مرة وجبهته مرة ويقول : يا نفس ذوقي فما عند اللّه أعظم مما صنعت بك ، ورسول اللّه ينظر إلى ما يصنع ، ثم إن الرجل لبس ثيابه ثم أقبل فأومأ إليه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بيده ودعاه . فقال له : يا عبد اللّه لقد رأيت صنعت شيئا ما رأيت أحدا من الناس صنعه ، فما حملك على ما صنعت ؟ فقال الرجل : حملني على ذلك مخافة اللّه ، وقلت لنفسي يا نفس ذوقي فما عند اللّه أعظم مما صنعت بك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لقد خفت ربك حق مخافته وإن ربك

--> ( 1 ) غرر الحكم ص 394 حكمة 47 . ( 2 ) غرر الحكم ص 327 حكمة 123 .