الشيخ ابراهيم الأميني

73

تزكية النفس وتهذيبها

والسلوك إلى اللّه حتى أواخر أعمارهم إلى أن ينالوا مقام القرب من الحق . 2 - الترك المباشر : إذا تجاوز مرحلة الوقاية ولوثت النفس بالمعصية ، يأتي دور عملية إعادة البناء . ويمكن البدء بذلك عبر عدة طرق ، وأفضلها الثورة الداخلية والترك المباشر والكلي . الإنسان الذي تلوث بالمعصية وبالرذائل الأخلاقية يستطيع أن يتوب إلى اللّه منيبا دفعة واحدة ، فيغسل قلبه من الذنوب والرذائل ويجعله طاهرا مطهرا ، يطرد الشياطين من القلب بتصميم قاطع ويسد أبوابه أمامها نهائيا ، ويفتح قلبه لنزول ملائكة القرب الإلهيين ولإشعاع الأنوار الإلهية . يتغلب على الشيطان والنفس الأمّارة بحملة واحدة ، ويسيطر على زمام النفس بإحكام ويبقيه في يده للأبد ، كم من الأفراد تغلبوا على أنفسهم بهذه الوسيلة ، ووفقوا بإعادة البناء المباشر والتزموا بعهودهم حتى أواخر أعمارهم . تتم هذه الثورة الداخلية عبر أمور عدة ، فقد يكون السبب سماع كلمة مختصرة من واعظ وأستاذ أخلاق مهذب ، أو عبر إشارة من مرشد إلهي ، أو عبر حدوث أمر غير عادي ، أو من خلال المشاركة في مجلس الدعاء والذكر ، أو من خلال الاستماع إلى آية أو رواية ، أو بمجرد التفكير لعدة دقائق . أحيانا يمكن أن تتسبب حادثة بسيطة بتغير القلب وانبعاث النور في داخله . كثيرون هم الذين وفقوا لتهذيب أنفسهم بواسطة هذه الطريقة وأصبحوا في طريق السالكين . وكمثال على ذلك ألفت انتباهكم إلى هذه القصة : كان بشر الحافي أحد عباد اللّه الخاصين ، كان زاهدا عابدا متقيا ، يقال أنه كان سابقا من الأشراف ، يقضي أيامه ولياليه بالفسق والفجور ، وكان منزله مركز فساد ورقص وغناء وقد اشتهر بذلك ، ولكنه تاب بعد ذلك وتغير ودخل سلك العبّاد والزهّاد ، يقال أن سبب توبته يعود لحادثة حصلت معه : ذات يوم كان خادمه خارجا من المنزل لرمي النفايات ، فالتقى بالإمام موسى بن جعفر عليه السّلام الذي كان مارا بالمكان فسمع صوت الغناء ، سأل الإمام : منزل من هذا ؟ أعبد هو أم حر ؟ أجابه الخادم : حر وسيد . فقال الإمام : صحيح إذ لو كان عبدا لخجل من سيده ولما غرق في المعاصي كما هو حاله الآن ، عاد الخادم إلى داخل المنزل ، سأله بشر الذي كان جالسا على طاولة شراب : لماذا تأخرت ؟ فذكر له القصة دون أن يعرف شخصية الإمام ، سأله بشر عن آخر عبارة قالها ، فذكرها الخادم ، فوقعت على قلب بشر