الشيخ ابراهيم الأميني

152

تزكية النفس وتهذيبها

الملاطفة يكرعون ، وشرايع المصافات يردون ، قد كشف الغطاء عن أبصارهم ، وانجلت ظلمة الريب عن عقائدهم وضمائرهم ، وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم ، وانشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم ، وعلت لسبق السعادة في الزهادة هممهم ، وعذب في معين المعاملة شربهم ، وطال في مجلس الأنس سرهم ، وأمن في موطن المخافة سربهم ، واطمأنت بالرجوع إلى رب الأرباب أنفسهم ، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم ، وقرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم ، واستقر بإدراك السؤال ونيل المأمول قرارهم ، وربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم . إلهي ما ألذ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب ، وما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب ، وما أطيب طعم حبك ، وما أعذب شرب قربك ، فأعذنا من طردك وإبعادك ، واجعلنا من أخص عارفيك وأصلح عبادك ، وأصدق طائعيك وأخلص عبادك ، يا عظيم ، يا جليل ، يا كريم ، يا منيل ! برحمتك ومنك يا أرحم الراحمين » « 1 » . المقام الرابع بالإجمال مقام عال وشامخ ، وهو بنفسه مراتب ودرجات يستمر حتى المقام المقدس لذات واجب الوجود وكماله وجماله اللامتناهي ، يعني أنه يستمر إلى ما لا نهاية ، ويسمّى في ألسنة أهل اللّه : مقام الذكر ، مقام الأنس ، مقام الانقطاع ، مقام المحبة ، مقام الشوق ، مقام الرضا ، مقام الخوف ، مقام الشهود ، مقام عين اليقين ، مقام حق اليقين ، وأخيرا يسمى مقام الفناء ، والبقاء باللّه . أخذت هذه التعابير في الأغلب من الآيات والأحاديث ولكل واحد منها وجه مثلا : عندما يتوجه السالك إلى عظمة وجمال وكمال ذات واجب الوجود اللامتناهي ، ويأخذ في الاعتبار محبته وإشراقاته وإفاضاته ، ويلتفت إلى قصور ذاته وعجزه وبعد المسافة للوصول إلى ذلك المقام العالي ، تنشأ فيه حالة شوق وحرقة وتضحية ، هذا المقام يسمّى مقام الشوق . عندما ينال مقامات ودرجات وكمالات يأنس بتلك المكتشفات ويسر ويفرح ، هذا المقام يسمّى مقام الأنس .

--> ( 1 ) مناجاة العارفين - مفاتيح الجنان .