الشيخ ابراهيم الأميني
111
تزكية النفس وتهذيبها
أوصاف المتقين حتى نتعرف على التقوى أكثر ، ونطلع على علامات وصفات المتقين ننقل لكم خطبة همام عن نهج البلاغة : روي أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السّلام يقال له همام كان رجلا عابدا فقال : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم ، فتثاقل عليه السّلام عن جوابه ثم قال : يا همام إتق اللّه وأحسن فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه ، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثم قال : أما بعد ، فإن اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنه لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسّم بينهم معيشتهم ، ووضعهم من الدنيا مواضعهم ، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، غضوا أبصارهم عما حرّم اللّه عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء ، ولولا الأجل الذي كتب عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم فقدوا أنفسهم منها ، أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم في أصول آذانهم ، فهم