الشيخ ابراهيم الأميني
106
تزكية النفس وتهذيبها
لكن عقلا غير قادر على الإدراك والتمييز ، يكون معه مصباح ، لكن تحيط الأهواء والشهوات والرغبات والغرائز من كل حدب وصوب كالضباب الغليظ ، تطفئ نوره وتمنعه من إدراك الواقعيات . كيف يمكن لعابد الشهوة أن يدرك مصالحه الواقعية ، وأن يقف في وجه قواه الثائرة المسيطرة ؟ كيف يمكن للمغرور أن يرى عيوب نفسه حتى يسعى لإصلاحها ؟ والأمر نفسه ينطبق على سائر الصفات مثل : الغضب ، الحسد ، الطمع ، الحقد ، التعصب ، اللجاجة ، حب المال والمقام والرئاسة . كيف يمكنه إبعاد هذه الأمور عن نفسه : لو تسلطت إحداها أو أكثر على النفس ، لما استطاع العقل العملي إدراك الواقعيات ، تمنعه عن ذلك ، ولو رغب العقل بالقيام بما يخالفها تبدأ بإثارة المشاكل وتثير غوغائية واضطرابا حتى يظلم محيط العقل ، فلا يتمكن من أداء واجباته ، لا يمكن للإنسان الذي يكون أسيرا للأهواء والشهوات أن يأخذ العبرة من التجارب والنصائح والتحذير ، بل وقد تزيد المواعظ وآيات القرآن من قساوة قلبه . لهذا يمكن اعتبار التقوى من أفضل عوامل البصيرة وأكثرها تأثيرا في زيادة بصيرة الإنسان وقدرته على معرفة واجباته . وفي النهاية لا بد من التذكير أن ما قيل حول كون التقوى موجبة لزيادة البصيرة ، هو في العقل العملي وفي تشخيص الواجب أو بحسب المصطلح معرفة الواجبات من المحرمات ، لا في العقل النظري وفي إدراك الحقائق ، فهذا لا يعني أن غير المتقي ليس قادرا على درك المسائل الرياضية والطبيعية . وإن كان للتقوى تأثير أيضا على حدة الفهم بنحو ما . التقوى والتغلب على المشاكل : من أهم آثار ونتائج التقوى أنها تعطي القدرة على التغلب على مشاكل ومصاعب الحياة . يقول تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 1 » .
--> ( 1 ) سورة الطلاق ، الآيتان 2 - 3 .