عباس الإسماعيلي اليزدي
332
ينابيع الحكمة
تلك المعرفة إلّا بأن يعرف أنّ النعم كلّها ، جليّها وخفيّها من اللّه سبحانه ، وأنّه المنعم الحقيقيّ وأنّ الأوساط كلّها منقادون لحكمه مسخّرون لأمره . الثانيّ : الحال التي هي ثمرة تلك المعرفة ، وهي الخضوع والتواضع والسرور بالنعم من حيث إنّها هديّة دالّة على عناية المنعم بك ، وعلامة ذلك أن لا تفرح من الدنيا إلّا بما يوجب القرب منه . الثالث : العمل الذي هو ثمرة تلك الحال فإنّ تلك الحال إذا حصلت في القلب حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه . وهذا العمل يتعلّق بالقلب واللسان والجوارح ، أمّا عمل القلب ؛ فالقصد إلى تعظيمه وتحميده وتمجيده ، والتفكّر في صنايعه وأفعاله وآثار لطفه ، والعزم على إيصال الخير والإحسان إلى كافّة خلقه ، وأمّا عمل اللسان فإظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتهليل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك ، وأمّا عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته ، والتوقّي من الاستعانة بها في معصيته ومخالفته ، كاستعمال العين في مطالعة مصنوعاته وتلاوة كتابه وتذكّر العلوم المأثورة من الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام ، وكذا سائر الجوارح . فظهر أنّ الشكر من امّهات صفات الكمال وتحقّق الكامل منه نادر كما قال سبحانه : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ولمّا كان الشكر بالجوارح التي هي من نعمه تعالى ولا يتأتّى إلّا بتوفيقه سبحانه ، فالشكر أيضا نعمة من نعمه ويوجب شكرا آخر ، فينتهي إلى الاعتراف بالعجز عن الشكر ، فآخر مراتب الشكر الاعتراف بالعجز عنه ، كما أنّ آخر مراتب المعرفة والثناء الاعتراف بالعجز عنهما ، وكذا العبادة كما قال سيّد العابدين والعارفين والشاكرين صلّى اللّه عليه وآله : « لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » ، وقال صلّى اللّه عليه وآله : « ما عبدناك حقّ عبادتك ، وما عرفناك حقّ معرفتك » .