عباس الإسماعيلي اليزدي
356
ينابيع الحكمة
أقول : الأخبار في الجدال مختلفة ومقتضى الجمع بينها أنّ المذموم منه هو ما كان الغرض فيه الغلبة وإظهار الكمال والفخر ، أو التعصّب وترويج الباطل ، أو لم تكن المجادلة والمراء من الأشخاص العالمين بالدليل والحجّة ، أو يكون الخصم لدودا عنودا لا يقبل الحقّ . وأمّا ما كان لإظهار الحقّ ورفع الباطل ودفع الشبهة عن الدين وإرشاد الضالّين فيجوز ويكون مصداق قوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لكن تشخيص الموارد مشكل جدّا وكثيرا ما يشتبه الأمر على الإنسان ، إذ للنفس تسويلات خفيّة لا يمكن التخلّص منها إلّا بفضله وعصمته تعالى . [ 1292 ] 9 - عن أبي محمّد العسكريّ عليه السّلام قال : ذكر عند الصادق عليه السّلام الجدال في الدين ، وأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السّلام قد نهوا عنه ، فقال الصادق عليه السّلام : لم ينه عنه مطلقا لكنّه نهي عن الجدال بغير التي هي أحسن ، أما تسمعون اللّه يقول : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقوله تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ؟ فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين ، والجدال بغير التي هي أحسن محرّم وحرّمه اللّه تعالى على شيعتنا ، وكيف يحرّم اللّه الجدال جملة وهو يقول : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى قال اللّه تعالى : تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ فجعل علم الصدق والإيمان بالبرهان ، وهل يؤتى بالبرهان إلّا في الجدال بالتي هي أحسن ؟ قيل : يا بن رسول اللّه ، فما الجدال بالتي هي أحسن والتي ليست بأحسن ؟ قال : أمّا الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا تردّه بحجّة قد نصبها اللّه تعالى ، ولكن تجحد قوله ، أو تجحد حقّا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله ، فتجحد ذلك الحقّ مخافة أن يكون له عليك فيه حجّة ، لأنّك