الشيخ محمد رضا مهدوي كني

363

البداية في الأخلاق العملية

وصفوة القول هي انّ على المرء ان يعلم بأنّ كل شيء من اللّه تعالى ، وانه متصل بقدرته الأزلية ، وانه كالقطرة المتصلة بالبحر ، ولذا عليه أن يلقي بنفسه في خضم أمواج البحر العاتية دون أن يخشى أي شيء ، ذلك لأنّ : القطرة التي تتصل بالبحر * لا تسمّها قطرة ، انما هي بحر وللعلامة الطباطبائي ( صاحب تفسير الميزان ) كلام في التوكل جاء فيه : « وحقيقة الأمر انّ مضي الإرادة والظفر بالمراد في نشأة المادة يحتاج إلى أسباب طبيعية وأخرى روحية . والانسان إذا أراد الورود في أمر يهمه وهيّأ من الأسباب الطبيعية ما يحتاج اليه ، لم يحل بينه وبين ما يبتغيه إلّا اختلال الأسباب الروحية كوهن الإرادة والخوف والحزن والطيش والشره والسفه وسوء الظن بتأثير العوامل والأسباب وغير ذلك ، وهي أمور هامة عامة . وإذا توكل على اللّه سبحانه وفيه اتصال بسبب غير مغلوب البتة ، وهو السبب الذي فوق كل سبب ، قويت ارادته قوة لا يغلبها شيء من الأسباب الروحية المضادة المنافية فكان نيلا وسعادة . وفي التوكل على اللّه جهة أخرى يلحقه أثرا بخوارق العادة كما هو ظاهر قوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ » « 1 » . فمن يتوكل على اللّه تصبه عناية من اللّه تعالى ويمدده بما لا يحتسب من العوامل والأسباب الغير العادية . والآثار التي أشارت إليها أحاديث المعصومين عليهم السّلام حول التوكل تؤيد ما ذهب اليه العلامة الطباطبائي ، ومنها حديث أمير المؤمنين علي عليه السّلام : « من توكّل على اللّه ذلّت له الصعاب وسهلت عليه الأسباب وتبوّأ الخفض

--> والاضطراب من خلال التوكل على اللّه . ويدل هذا المقطع على الجانب الغيبي والماورائي للتوكل ، أي لا بد للمتوكل ان ينطلق إلى ما وراء العوامل المادية فيؤمن بالعوامل الغيبية المؤثرة في مصير الايمان . ( 1 ) تفسير الميزان ، ج 4 ، ص 67 .