الشيخ محمد رضا مهدوي كني

304

البداية في الأخلاق العملية

متعارض مع الاخلاص ، بل فائدة من فوائد العمل لا هدفا من أهدافه . وانطلاقا من هذه المقدمة ، يطرح السؤال التالي نفسه : هل يتعارض حضّ الآخرين على أعمال الخير والعبادة وتعليمهم أمرا متعارضا مع الاخلاص ؟ يستفاد من الأحاديث انّ هذا النمط من السلوك مؤيّد للاخلاص ومرجّح له وليس متعارضا معه ، لأنّ الذي يهم في موضوع الاخلاص وقصد التقرب هو أن لا تكون العبادة من أجل التظاهر والرياء . اما الضمائم الراجحة من قبيل الدعوة والحضّ والتشجيع على الأعمال الصالحة ، أو نشر الدين والعقيدة ، فإنها ليست غير متناقضة مع الاخلاص فحسب ، وانما تكشف عن درجة متعالية منه أيضا . قال رجل يقال له عبيد : قلت لأبي عبد اللّه ( الإمام الصادق ) عليه السّلام : الرجل يدخل في الصلاة فيجوّد صلاته ويحسنها رجاء أن يستجرّ بعض من يراه إلى هواه ؟ قال : ليس هو من الرياء « 1 » . وهناك حديث شهير للإمام الصادق عليه السّلام يقول : « كونوا دعاة النّاس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير فانّ ذلك داعية » « 2 » . من هذه الأحاديث ندرك انّ الضمائم الراجحة - أي انضمام بعض الأهداف الخيرة - في العبادات لا تتنافى مع الاخلاص وقصد القربة ، وانما تعد من مرجحاتهما ، لانّها هي الأخرى ذات طابع معنوي والهي ولا تعد أهدافا شخصية أو مادية ، فالانسان ومن خلال هذه الأهداف المنضمّة انما يضرب عصفورين بحجر واحد : يؤدي واجبه الأساسي ، ويدعو الآخرين إلى عمل الخير . ولذلك قيل التجاهر بالعبادات والصدقات الواجبة أفضل من اخفائها ، فيما يعد اخفاء المستحبات والتبرعات أفضل من التجاهر بها ، لأنّ شائبة الرياء أقل في الواجبات

--> ( 1 ) نفس المصدر ، ص 301 ؛ وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 56 نقلا عن سرائر ابن إدريس . ( 2 ) وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 56 .