الشيخ محمد رضا مهدوي كني

299

البداية في الأخلاق العملية

اما المخلصون ، فهم الذين قطعوا مدارج الكمال الأولى بنجاح ، ونالوا مقام العصمة ، وخرجوا نهائيا من ولاية الشيطان والنفس الأمارة ، وأخذوا يسلكون في وادي ولاية اللّه . ويعدّ نبي اللّه يوسف من هذه الفئة المخلصة لأنه صمد كالجبل الأشمّ في تلك الفترة الحرجة وذلك الظرف المتأزم ، ولم تفلح تلك المرأة في جرّه إليها رغم كل ما قامت به من وسائل وأساليب بما فيها غلقها لجميع الأبواب كي تغلق بوجهه طريق الهرب . وكانت اجابته على كل محاولاتها مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ « 1 » . وقد هرول سريعا باتجاه الباب المغلق ، فانفتح بوجهه ، وشمله اللّه بامداده الغيبي . ولا شك في انّ بلوغ هذه المرحلة من التهذيب والتزكية ، فضلا عن حاجتها للاعانات الإلهية والدعم الغيبي المتواصل ، لا بد فيها أيضا من الجهاد المستمر مع النفس . ومن ليس له إرادة وعزم على أن يرفض طلبات الأهواء ، ويعمل كل ما تمليه النفس الامارة بالسوء عليه ، لن يصل إلى هذه المرحلة . اذن فالقلب الذي بامكانه ان يتّسم بالنقاء والنورانية ، هو القلب الذي يقدّم إرادة اللّه على هواه وارادته ، ولا يفكر إلّا به . بتعبير آخر : لا يستطيع ان ينضم إلى فئة المخلصين إلّا ذلك الذي يقوم بأعماله للّه فقط لا لغيره . مثلما جاء في القرآن الكريم عن لسان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ « 2 » . الاخلاص في الأحاديث أكدت الأحاديث النبوية والأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السّلام على الاخلاص كثيرا ، لأنّ قضية الاخلاص وكما ذكرنا قضية في منتهى الدقة

--> ( 1 ) يوسف / 23 . ( 2 ) الانعام / 162 و 163 .