الشيخ محمد رضا مهدوي كني

298

البداية في الأخلاق العملية

وقد وصف تعالى نبيه يوسف وموسى بأنهما من المخلصين . وهناك بون شاسع في المعنى بين المخلص والمخلص ، إذ قد تطلق الثانية على من لديه اخلاص عابر ومؤقت ، كما نلاحظ في الآيات التاليات : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ « 1 » . وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ « 2 » . هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 3 » . ونفهم من هذه الآيات القرآنية الكريمة انّ مفردة مخلص ( بكسر اللام ) ، ذات مفهوم عام بحيث يشمل تلاميذ الصف الأول في مدرسة الاخلاص ، بل يشمل حتى المشركين العابدين للأصنام الملتصقين بمظاهر الدنيا وبهارجها الخادعة ، الذين يقبلون على اللّه الواحد ويخلصون له حين تلاطم أمواج البحر وانقطاع آمالهم عن الماديات ، إلّا انهم حينما يجدون النجاة ويبلغون ساحل الأمان ، ينسون اللّه الأحد ثانية ويعودون إلى شركهم من جديد . ومن الطبيعي انّ السائرين في بدايات الطريق ليست لديهم تلك الحصانة الكافية التي تقيهم من هجمات الوساوس الشيطانية والأهواء النفسية . وقليلون هم الذين يجابهون هذه الاخطار بصلابة ويحفظون أنفسهم منها .

--> ( 1 ) العنكبوت / 65 . ( 2 ) لقمان / 32 . ( 3 ) يونس / 22 و 23 .