الشيخ محمد رضا مهدوي كني
296
البداية في الأخلاق العملية
فالاخلاص من الشرائط العامة لجميع العبادات ، ويعدّه الفقهاء شرطا لصحة العمل ، فيما يعتبره الحكماء شرطا للقبول والعرفاء شرطا للوصول « 1 » ، فالعمل ما لم يكن مصطبغا بالصبغة الإلهية فلن يرفع إلى اللّه ولا يوجب القرب من المحبوب ، والاعمال المشوبة بالرياء لا سنخية لها لا مع اللّه ولا مع الملكوت ولذلك لا يمكن أن تكون واسطة اتصال وارتباط بين العبد والمعبود . القرآن والاخلاص قال القرآن بهذا الشأن : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . . . « 2 » . وجاء في آية أخرى : . . . فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ
--> عبادة أصحاب القلوب عبارة عن التصفية من شوب الأنانية والأنية ، وهما في مسلك أهل المعرفة شرك أعظم وكفر أكبر ( أم الأصنام ، صنم نفسك ) ، وفي عبادة الكمّل عبارة عن تصفية العمل من شوب رؤية العبودية والعبادة ، بل رؤية الكون ، كما قال الإمام ( ع ) : « القلب السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه » . اذن حينما يضع السالك إلى اللّه قدمه على فرق حظوظه بل على نفسه وعلى العالم كله ، ويخلص نفسه دفعة واحدة من الغير والغيرية ، ولم يسكن في قلبه سوى اللّه ، ويطهّر بيت اللّه من الأصنام بيد الولاية . . . سيكون حينئذ دينه وعمله وباطنه وظاهره خالصا للّه . . . » ( معراج السالكين وصلاة العارفين ) . ( 1 ) الشرائط نوعان : شرائط الصحة ، وشرائط القبول . فبعض الشرائط ليست سوى شرط لقبول العبادة لا صحتها ، كحضور القلب في الصلاة ، لأنّ الآثار الحقيقية للصلاة والتي هي التقرب إلى اللّه والعروج اليه لا وجود لها بدون الحضور القلبي . ولكن هناك من الاعمال ما هو شرط لصحة العمل كالوضوء والنية ، إذ انّ الصلاة باطلة بدونهما . ولو صلى أحد سهوا بدون نية ووضوء فلا بد له من إعادة صلاته . ( 2 ) البينة / 5 . رغم ما قيل من انّ هذه الآية وأمثالها ذات صلة بأصول الدين والتوحيد العبادي وانها تنفي الشرك وعبادة الأصنام ، ولا علاقة لها بالرياء ، لكن بما أن المرائي يلاحظ غير اللّه في عبادته ، تعدّ عبادته مشوبة بنوع من الشرك ، وهو ما تطلق عليه الأحاديث اسم الشرك الخفي .