الشيخ محمد رضا مهدوي كني

284

البداية في الأخلاق العملية

من حيث الفعل ، إلّا انه قبيح من حيث الفاعل ، ويعد قيمة مضادة ، ويستحق القائم بهذا العمل التأنيب والإدانة والتأديب . وربما يعود اعتقاد بعض الفقهاء باستحقاق مثل هذا الشخص للتعزير والتأديب ، إلى الجانب الأخلاقي والتربوي ، لا إلى الجانب الحقوقي والقانوني . انّ هذا النوع من الاختلاط بين القضايا الحقوقية والأخلاقية في الفقه الاسلامي ، امر طبيعي ، لأنّ الحقوق الاسلامية غير قابلة للتجزئة عن الاخلاق ، وسبق ان قلنا بأنّ التجزئة التي حدثت بين العلوم ، انما أريد بها التنظيم وتسهيل المراجعة ، لا لأنها منفصلة بعضها عن بعض في مقام الاجتهاد والعمل . وبهذا التوضيح ، يتحدد موقع كل من القضايا الأخلاقية والحقوقية ، ويتبين انّ عدم المسؤولية من المنظار الحقوقي لا يدل على عدمها أيضا من المنظار الأخلاقي . كما يتضح لنا أيضا انّ الحرمة والوجوب الاخلاقيين ، ليسا سوى الحرمة والوجوب الشرعيين « 1 » . والشيء الوحيد الذي يميّز الوجوب والحرمة الاخلاقيين عن الوجوب والحرمة الفقهيين والحقوقيين هو حيثية الحكم لا أصله . اذن فالحرام الأخلاقي ، حرام أخلاقيا حتى وان كان غير حرام من وجهة النظر الحقوقية . ولا شك في انّ للحرمة والوجوب الاخلاقيين آثارا متناسبة معهما ، مثلما انّ للحرمة والوجوب الحقوقيين آثارا متناسبة معهما . لذلك ، من يرض بقتل المظلوم ، فهو شريك في قتله من الناحية الأخلاقية ، ومسؤول امام اللّه تعالى ، وإن كان لا يعدّ شريكا في القتل حقوقيا وقانونيا . وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة أروع تعبير : . . . وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ . . . « 2 » .

--> ( 1 ) الجدير بالذكر انّ التخلف عن الواجبات الأخلاقية ليس بمثابة ترك الأمور المستحبة ، كما هو معروف في السنة ، إلّا إذا كان الموضوع من المستحبات الأخلاقية ، إذ يوجد في الاخلاق واجب ومستحب كما هو الحال في الفقه . ( 2 ) البقرة / 284 .