الشيخ محمد رضا مهدوي كني
282
البداية في الأخلاق العملية
وليست لها جذور عقائدية وأخلاقية ، اي انها تتبلور بتأثير الأهداف والأهواء الآنية والهيجانات العاطفية السريعة ، إلّا انها سريعا ما تختفي بعد ظهور ردود الفعل المناسبة فتحل محلها البواعث الايجابية الخيّرة ، كما لو نوى أحدهم الافطار في شهر رمضان حين رؤيته للطعام اللذيذ ، ثم انصرف عن فكرته هذه سريعا . والنية الثابتة تنبثق من أعماق الروح وتنشأ من عقيدة المرء وملكاته الخلقية . وهي نية تعبّر ولا شك عن هوية الانسان وشخصيته الحقيقية والتي عبّر عنها القرآن الكريم ب « الشاكلة » ، فقال : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ « 1 » . فبما ان النية المتزعزعة ، انعكاس للغرائز ولا تعبّر عن التجرؤ والتمرد وسوء النيّة ، فإنها قابلة للعفو والصفح . ويبدو ان الأحاديث الواردة بهذا الشأن ، تقصد هذا النوع من النية . ويؤيد ذلك الأحاديث التي تفسّر قوله تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ . . . « 2 » والواردة عن الإمام الصادق عليه السّلام . وورد في هذه الأحاديث ان المقصود باللمم هو المعصية حينا بعد حين من غير عادة « 3 » . وعلى ضوء هذه التفاسير ، تعدّ مثل هذه المعاصي - اي التي لا تدل على عناد أو تمرد فاعلها - مشمولة بالرحمة الإلهية ومغفرة البارئ تعالى . وحينما يشمل عمل كهذا بالعفو ، فمن الأولى ان تشمل نيته بالعفو أيضا ، لأنّ كليهما خال من روح التمرد .
--> ( 1 ) الاسراء / 84 . وورد عن الإمام الصادق ( ع ) ان المراد بالشاكلة ، « النية » . ( أصول الكافي ، ج 2 ، ص 85 ) . ( 2 ) النجم / 32 . ( 3 ) تفسير الميزان ، ج 19 ، ص 45 ؛ أصول الكافي ، ج 2 ، ص 442 ، باب اللمم ، ح 3 و 5 . وورد عدد من الأحاديث في هذا الباب عن الإمام الصادق ، كان « اللمم » في جميعها بمعنى المعصية على سبيل الاتفاق أو بمعنى قصد المعصية .