الشيخ محمد رضا مهدوي كني
249
البداية في الأخلاق العملية
ولربما يقول قائل : يستشف من آيات وأحاديث التوبة ان التوبة وفضلا عن استحصالها على المغفرة الإلهية والرحمة الربانية ، تعمل على تبديل سيئات المذنب إلى حسنات أيضا ، سيما من الآية الكريمة التي تقول : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ . . . « 1 » . اذن فبامكان التائبين التعويل على التوبة في تدارك ما فاتهم . والحقيقة هي ان بعض المفسرين قالوا بأنّ ظاهر الآية يوحي بأن اللّه يعوّض بالتوبة عمّا فات ويمحو السيئات جميعا ويكتب بدلا منها حسنات . بينما قال آخرون ان اللّه يمنع التائبين من اقتراف السيئات ويوفقهم لأعمال الخير . وقال غيرهم ان المراد بالسيئات هي المعاصي الصغيرة والتي تبدل بعد التوبة إلى حسنات ، اما المعاصي الكبيرة فتشمل بالغفران فقط « 2 » . اما العلامة الطباطبائي وبعد استعراضه لآراء المفسرين يقول : « والذي يفيده ظاهر قوله : « يبدل اللّه سيئاتهم حسنات » وقد ذيّله بقوله « وكان اللّه غفورا رحيما » أن كل سيئة منهم نفسها تتبدل حسنة ، وليست السيئة هي متن الفعل الصادر عن فاعله وهو حركات خاصة مشتركة بين السيئة والحسنة كعمل المواقعة المشترك بين الزنا والنكاح . . . بل صفة الفعل من حيث موافقته لأمر اللّه ومخالفته له مثلا من حيث إنه يتأثر به الانسان ويحفظ عليه دون الفعل الذي هو مجموع حركات متصرمة متقضية فانية وكذا عنوانه القائم به الفاني بفنائه . وهذه الآثار السيئة التي يتبعها العقاب أعني السيئات لازمة للانسان حتى يؤخذ بها يوم تبلى السرائر . ولولا شوب من الشقوة والمساءة في الذات لم يصدر عنها عمل سيئ إذ الذات
--> ( 1 ) الفرقان / 70 . ( 2 ) راجع : تفسير مجمع البيان ، ط صيدا ، ج 4 ، ص 180 ؛ تفسير الصافي ، ج 2 ، ص 205 ؛ تفسير ابن كثير ، ج 3 ، ص 327 .