الشيخ محمد رضا مهدوي كني
23
البداية في الأخلاق العملية
وهكذا لا بد للانسان من اخضاع آماله وطموحاته للسيطرة والتوجيه ، وأن يعلم بوجود حدّ لكل شيء بحيث لو تجاوز هذا الحد ، عدّ ذلك أمرا مذموما من قبل الاسلام ومدانا . يقول الإمام جعفر الصادق عليه السّلام : « ما من شيء إلّا وله حدّ » « 1 » . دور الأخلاق في توجيه الغرائز الغرائز التي أشرنا إليها كانت نموذجا فقط ، وإلّا فهي بأسرها ضرورية للانسان من حيث الأساس وجيدة بطبعها ، لكن لا بد من الحيلولة دون استفحالها وتمردها . ولذلك نحن بحاجة إلى علم الأخلاق لأنه يعلمنا كيف نوجه الغرائز ونسيطر عليها ونذللها . فغريزة حب الذات على سبيل المثال ، ضرورية من أجل استمرار الحياة ، غير أن علم الأخلاق يوصينا بأن هذا الحب يجب أن تكون لديه حدود واضحة ، لو تجاوزها أصيب المرء بداء الغرور والأنانية ، بحيث يصل به الأمر في بعض الأحيان إلى تصور انّ الآخرين يجب ان ينخرطوا في خدمته ويقعوا تحت نفوذه ، وأن لا يعملوا إلّا له ! وهكذا نلاحظ ان حبّ الذات أو النفس قد يبلغ عند عدم السيطرة عليه ، مرحلة الطغيان ، ويقود صاحبه نحو الاستكبار الذي يعد صفة من صفات الشياطين والجبابرة . وقد ذمّ الاسلام هذه الظاهرة وأوصى بالحدّ منها وتشذيبها من خلال الترويض والمجاهدة . وفي مثل هذه الأوضاع ، تبرز أهمية علم الأخلاق ، إذ يهب لارشاد الانسان وهدايته نحو الطريقة التي تتيح له معالجة هذه الظواهر والامساك بزمام الغرائز وتوجيهها وفق ما هو مطلوب وضروري ، والحيلولة دون تمردها من خلال
--> ( 1 ) تحف العقول ، ص 269 .