الشيخ محمد رضا مهدوي كني
197
البداية في الأخلاق العملية
ولكن غالبا ما تؤدي حالة التنافس بين الأسر إلى تصاعد الطلبات إلى ما يفوق حد الاعتدال ، الامر الذي يضع الرجل على مفترق طريقين : اما ان يتعامل سلبيا مع هذه الطلبات ويرفضها بشكل صريح ، أو يتعامل تعاملا يبعث على الأمل من خلال الوعود غير الجادة والقائمة على المصلحة . ولكن لما كان الموقف السلبي الحاد باعثا على جرح المشاعر وزعزعة كيان الأسرة ، كان من الأولى استخدام الأسلوب الثاني . ورغم انّ هذا العمل غير مطلوب بحد ذاته ويبعث تكراره على فقدان الثقة المتبادلة بين ربّ الأسرة وأعضائها ، وقد يدفع بهم إلى التقليد ويشجعهم على الكذب والنفاق ، لكن لما لم تكن هناك وسيلة غيره ، فقد أجيز من باب أقل الضررين ، كما هو الحال في أكل الميتة « 1 » .
--> ( 1 ) فسّر بعض كبار أساتذتنا الكذب في هذا المورد كالتالي : لما كانت العدة نوعا من التعهد والالتزام ، ولما كان التعهد من مقولة الانشاء لا الاخبار ، لذلك تخرج عدة الزوجة ووعدها من مصاديق الكذب اختصاصا ، لأنّ الصدق والكذب متصلان بالخبر ، فيما تخرج مقولة الانشاء عن دائرة الصدق والكذب . ولو اتصفت بصفة الصدق والكذب أحيانا فإنما ذلك على سبيل التشبيه والمجاز . وهذا يعني انّ التعبير عن هذا المورد بالكذب في العدة والوعد تعبير فيه نوع من التساهل ، والتعبير الصحيح هو العدة غير الجادة . وبما أنّ العدة غير الجادة غير ملزمة ، فلا اشكال في التخلف عنها ، بل انّ هذا النوع من العدة لا يعدّ كذبا ، ويعدّ استثناؤه من الكذب الحرام ، من قبيل الاستثناء المنقطع . إلّا انّ هذا الأستاذ الفاضل أردف قائلا في نهاية المطاف : وعلى أيّ حال ، فالاحتياط أن لا يكذب على الأسرة في غير صورة الاكراه والاضطرار . وأعتقد انّ حصر الكذب في اطار الخبر ، من اصطلاحات المناطقة والأصوليين ، ولا يلاحظ مثل هذا الحصر في العرف واللغة . وقد استعملت مفردتا الصدق والكذب في الآيات القرآنية والأحاديث والأشعار في غير الخبر بكثرة . ففي آيات مثل إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ( مريم / 54 ) و رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ( الاسراء / 80 ) نجد استخدام الصدق في غير الخبر . كما أنّ قول الإمام علي ( ع ) : « الدنيا دار صدق لمن صدقها » ( نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، الحكمة 131 ) يؤكد هو الآخر على هذا المعنى أيضا . وصفوة القول هي ان صفة ال « صادق » لا يقتصر اطلاقها على الصادقين في الكلام فقط وانما تطلق