الشيخ محمد رضا مهدوي كني

194

البداية في الأخلاق العملية

إلّا انّ الشيخ وانطلاقا من العمل بالاحتياط ومراعاة الأصول العامة يؤكد في نهاية المطاف على انّ الاحتياط هو الامتناع عن الكذب بالاستفادة من التورية قدر المستطاع ، وهذا هو مقتضى العمومات واطلاق الأخبار ، ويبقى العموم والاطلاق مقدّمين ما لم يكن هناك دليل معتبر خلافهما . 2 - الاصلاح بين الناس « 1 » حينما يسعى المرء لخلق الألفة والمحبة ورفع البغضاء والحقد من القلوب ، والاصلاح بين الأطراف المتنازعة وإعادة العلاقات فيما بينها إلى مجاريها الطبيعية ، فلا مانع من استخدام الكذب . فلو كان هناك جانبان متخاصمان وانطلق أحدهم نحو أحد الجانبين وقال له : انّ فلانا قد ذكرك بخير وانه مستاء لحالة الجفاء والتخاصم هذه وأعتقد انه راغب في التصالح معك ، ثم لو انطلق نحو الجانب الآخر وقال له مثل ما قال للأول ، فلا يعدّ هذا النوع من الكذب حراما ، بل ويعدّ مستحسنا أيضا ، وقد عبّر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة المعصومون عليهم السّلام عن استحسانهم له .

--> - مع إضافة جملة الشرط « ان كانوا ينطقون » . أي انّ عبدة الأصنام حينما سألوه عن الذي حطّم أصنامهم ، أجابهم بأنّ الذي حطمها ، هذا الصنم الكبير ، فاسألوهم ان كان بامكانهم الإجابة . وقد حقق إبراهيم بهذا الشرط عملين : الأول تجنّب الكذب ، والثاني إدانة عبدة الأصنام من خلال الجدل . ( راجع : بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 240 ) . وهكذا نلاحظ تأويل ظاهر كلام إبراهيم ويوسف عليهما السّلام وتفسيره بما يشبه التورية تنزيها لهما عن الكذب . ( 1 ) قد يقول قائل ان حالات كالاصلاح والحرب والوعد الكاذب للأسرة ، تعدّ من مصاديق الضرورة والاضطرار ، إلّا انّ للضرورة أنواعا مختلفة : ضرورات دينية ، واجتماعية ، ودنيوية ، وسياسية ، واقتصادية وغيرها . وأثبت علم الأصول انّ المقصود بالضرورة في مثل هذه الحالات ، ليس الضرورة العقلية ، بل الضرورة العرفية ، أي حينما يحظى الموضوع في مثل هذه الحالات بأهمية حياتية من وجهة نظر العرف . ولذلك يخرج تحقيق المصالح الفردية أو دفع الاضرار الطفيفة عن حالات الاستثناء ، وليس بالامكان ارتكاب جريرة الكذب من اجلها ، على العكس من المصالح العامة وحفظ كيان الأسرة التي تعد من الضرورات التي لها أهمية لدى العرب والشرع . واللّه أعلم .