الشيخ محمد رضا مهدوي كني
136
البداية في الأخلاق العملية
ومثل هذا السلوك ناشئ ولا شك من الجهل وفقدان التقوى ، إذ لا يجوز لأحد ان يتهم غيره أو يغتابه لا لشيء إلّا لاثبات براءته . ولو افترضنا انّ الفاعل للمعصية أو عمل السوء كان شخصا غيري ، فما هي ضرورة أن افشي سره وأريق ماء وجهه ؟ وهب اني لم ارتكب ما نسب إلي من عمل قبيح ، فبامكاني أن أدافع عن نفسي وأرفض الاتهام الموجّه إلي ، لا أن أحاول تبرئة نفسي من خلال جرّ غيري إلى هذا الاتهام أو الصاق الجريمة بغيري . يقول الفيض الكاشاني بهذا الشأن : « وأما تنزيه النفس بنسبة الخيانة إلى الغير حيث تستغني عن ذكر الغير فمعالجته بأن تعرف أنّ التعرض لمقت الخالق أشدّ من التعرض لمقت الخلق . وأنت بالغيبة متعرض لسخط اللّه يقينا ولا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا ، فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم ، وتهلك في الآخرة وتخسر حسناتك بالحقيقة وتحصل ذمّ اللّه لك نقدا وتنتظر دفع ذمّ الخلق نسيئة ، وهذا غاية الجهل والخذلان . واما عذرك كقولك : اني ان اكلت الحرام ففلان يأكله ، وان قبلت مال السلطان ففلان يقبله ، فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به ، فانّ من خالف أمر اللّه لا يقتدى به كائنا من كان ، ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على أن لا تدخلها لم توافقه ، ولو وافقته لسفّه عقلك ، ففيما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه ، وسجّلت مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وغباوتك وكنت كالشاة تنظر إلى المعزى تردي نفسها من الجبل فهي أيضا تردي نفسها من الجبل . ولو كان لها لسان ناطق وصرحت بالعذر وقالت : العنز أكيس مني وقد أهلكت نفسها فكذلك أنا افعل ، لكنت تضحك من جهلها وحالك مثل حالها ثم لا تتعجب ولا تضحك من نفسك » « 1 » . وهكذا لا ينبغي للمرء تبرير عمله القبيح بذريعة انّ الآخرين قد قاموا به
--> ( 1 ) المحجة البيضاء ، ج 5 ، ص 266 .