الشيخ محمد رضا مهدوي كني
128
البداية في الأخلاق العملية
« ليس من العدل القضاء على الثقة بالظنّ » « 1 » . التحفّظ والتروي في الأمور المهمة مما يجدر ذكره انّ الشعور بالثقة المتبادلة ، لا يعني في زمان غلبة الصلاح ان نعمل بدون تفحص وتحقيق في مضمار الأعمال الأساسية المهمة ونضع زمام الأمور والمناصب الكبيرة والمهام الخطيرة في يد كلّ أحد . فلا شك في اصالة الصحة وحسن الظن في الشؤون الفردية والأعمال الجزئية ، ولكنّ حسن الظن لا يعدّ معيارا على صعيد القضايا العامة والشؤون والمناصب والوظائف الحساسة ، وان كان لا يجوز سوء الظن أيضا . ففي مثل هذه الحالات ، لا بد من البحث والاستقصاء بدون المساس بشخصيات الافراد وكراماتهم لا من قريب ولا من بعيد ، ثم اتخاذ ما يتناسب من قرار . ويقول الإمام علي عليه السّلام في عهده الذي كتبه لعامله مالك الأشتر حين بعثه إلى مصر : « . . . ثم انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا ولا تولّهم محاباة وأثرة فانّهما جماع من شعب الجور والخيانة وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدّمة فانّهم أكرم أخلاقا وأصحّ أعراضا وأقلّ في المطامع اشراقا وأبلغ في عواقب الأمور نظرا . . . ثمّ تفقّد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصّدق والوفاء عليهم . . . » « 2 » . وأوصاه كيف يختار كتّابه قائلا : « . . . ثمّ لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظنّ منك فانّ الرجال يتعرّفون لفراسات الولاة بتصنّعهم وحسن خدمتهم . . . » « 3 » .
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، فيض الاسلام ، الحكمة 211 . ( 2 ) نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، ك 53 ، ص 435 . ( 3 ) نفس المصدر ، ص 437 .