الشيخ محمد رضا مهدوي كني

12

البداية في الأخلاق العملية

للأخلاق والفضائل الأخلاقية ، إلّا انهم لا يقبلون قط ان يفرض أحد سيطرته عليهم ، فهم بودهم لو نشأ أبناؤهم نشأة حسنة ، وعرفوا في الأوساط الاجتماعية . ويميلون ان تتسم الحكومة التي تحكمهم بالعدل ، وان يكون لديهم جيران صلحاء ورحماء وأمناء . وتعد مثل هذه النزعات ، من أفضل الأدلة على فطرية القيم الأخلاقية . ثم هل يشك أحد في أن الشهوات النفسانية لو استولت على مجتمع ما لقادته إلى مصير أسود ، وان الفضائل الأخلاقية والانسانية لو سادت بين افراد المجتمع لعاشوا في ظل الهدوء والسعادة والحياة الكريمة ؟ فالدراسة الأخلاقية اذن دراسة للقيم ، والسلوك الأخلاقي سلوك ذو مردود قيمي ، والتعاليم الأخلاقية تعاليم ناشئة من القيم . ولا بد من الإشارة إلى أن هناك نوعين من القضايا يدرسان على صعيد العلوم الانسانية : حقيقية ، واعتبارية . والقضايا الاعتبارية هي الأخرى نوعان : قيمية ، وغير قيمية . وتلك الفئة من القضايا الاعتبارية ذات الثقل القيمي والتي تبحث في ضوئها حالات الانسان النفسية والانسانية ، تعدّ جزءا من مفردات علم الاخلاق ، وكل ما كان غير ذلك خرج عن نطاق هذا العلم . فمن الممكن على سبيل المثال ان يكون عملا ما غير ممنوع من وجهة النظر الحقوقية ، إلّا انه يعد عملا قبيحا وغير مطلوب في اطار القيم الأخلاقية ، كما هو الحال في النية السيئة . فمن وجهة النظر الفقهية والحقوقية لا يترتب اي جزاء على مجرد النية السيئة . غير أن الامر يختلف تماما في علم الاخلاق حيث للنية اصالة من وجهة نظره ، والناس يتميز بعضهم عن البعض الآخر بنواياهم . كذلك قد يبدو عملا ما مباحا من وجهة النظر الفقهية ، ولكن ليس بالامكان تجاهل ما يمكن ان يفرزه من آثار سيئة على المصالح الاجتماعية أو الفردية . فقد يجب على المرء ان يكذب أو يغتاب في بعض الأحيان ، ولكن هل يمكن نكران آثار السوء التي لا بد وأن تنعكس عن هذا التصرف لا سيما على الصعيد الروحي ؟ فإذا كان بمقدور الانسان ان لا يكذب حتى عند الضرورة ، فالأولى به ان لا يكذب ،