الشيخ محمد رضا مهدوي كني

101

البداية في الأخلاق العملية

فَكَرِهْتُمُوهُ . . . « 1 » . ونستشف من هاتين الآيتين أنّ باعث التعييب شرط في الغيبة . فقد ذمّت الغيبة في الآية الأولى بصفتها تعييبا وطعنا ، في حين مثّلت في الآية الثانية بأكل لحم الأخ في الدين . وهذا التمثيل يعبّر في الحقيقة عن انّ الغيبة قتل لشخصية الآخرين ؛ فكأنما يلجأ المغتاب إلى سحق شخصياتهم بالغيبة واقصائهم عن الساحة ، ويتغذّى بهذا للحفاظ على توقير نفسه وتعظيمها وتعزيزها . وهكذا فالمغتاب يقوم بانجاز عملين بواسطة الغيبة : الأول انه يريق ماء وجه الآخر ؛ والثاني يحاول عن هذا الطريق كسب الوجهة الاجتماعية والموقع المرموق . أي انه يتّخذ من اغتيال شخصيات الآخرين واسطة للحفاظ على سمعته ومكانته في المجتمع . بمعنى انه يرى شخصيته تعتمد على موت الآخرين وسحقهم وتفتيت شخصياتهم ! والأمر الآخر الذي يمكن استشفافه من الآية الثانية هو حرمة الغيبة إذا كان يراد بها الشخص المسلم فقط ، وهذا ما تؤكد عليه بوضوح عبارتا « بعضكم لبعض » و « لحم أخيه » ، ولذلك فإنها لا تشمل غير المؤمنين . والأمر الثالث الذي بالامكان استشفافه من الآية الثانية هو انّ الغيبة لا تجد موضوعيتها إلّا إذا كان الطرف الآخر غير حاضر ، إذ فضلا عن انّ مفردة « يغتب » في الآية تدل على عدم الحضور ، كذلك مفردة « ميتا » تدلّ عليه أيضا ، لأنّ المستغاب قد شبّه بالميت ، فكما أنّ الميت لا يستطيع ان يدافع عن نفسه مهما فعل به ، كذلك المستغاب غير قادر على الدفاع عن كرامته وشرفه لعدم حضوره . والأمر الرابع المستشف من تلك الآية هو انّ الكرامة التي تهدر بواسطة الغيبة لا يمكن استعادتها كما هو الحال بالميت الذي ليس بامكانه ان يستعيد حياته . واللّه أعلم . فما أكثر أولئك الذين يودّعون هذه الدنيا متألمين ومنكسري الخواطر ، ولا ريب في أن الوجوه تلتقي يوم القيامة ، ويهبّ المتألّمون بين يدي اللّه مطالبين

--> ( 1 ) الحجرات / 12 .