السيد مجتبى الموسوي اللاري
54
رسالة الأخلاق
( قالُوا : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا * أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) « 1 » . إنّ هذا الإرشاد وهذه الهداية هي من أجل فتح العيون وتصحيح مسير العقل وطرد الظنون ، وهكذا يعوّد العقل على الانضباط في نشاطاته ، لينظّم بدوره مختلف القوى والأفكار التي هي تحت إرادته . إنّ ما يريده الإسلام من التفكير ليس هو التفكير الذهّني المجرّد والبعيد عن الواقع المحسوس ، أي الفكر الفلسفيّ الصّرف . إنّ القرآن بذكره لآيات الخلقة ومظاهرها يوقظ العقل ، ليستخدم الإنسان قواه الشاعرة للتفكير العميق بشأن آيات حكمة اللّه وعظمته في نظام الكون ، فيدرك الحقيقة بفكر حرّ وبعيد عن الخيالات ، ولا يتيه في وادي الأوهام ، بل يتصل إدراكه بالحق المطلق المحيط على جميع عالم الوجود . وهذه هي الفضيلة العليا للعقول . وبهذا الصدد كتب ( أسپينوزا ) الفيلسوف الأوروبي يقول : « إنّ أعلى ما تقوى أذهاننا على تفهّمه هي فكرة وجود « اللّه » أي ذلك الوجود المطلق اللانهائي الذي لا شيء بدونه بل ولا يتصور شيء من دونه . ولهذا فإنّ ما يفيد الأذهان ، أو قل ما هو أكبر خير لها ، هو العلم بوجود الباري تعالى . وكذلك إنّما يعمل الفكر بما يفهمه ، وهنا يمكننا أن نقول : إنّه عمل بما فيه فضيلته ، فالفضيلة المطلقة للأذهان هي الفهم أو قل التفهّم ، ولكن قد أثبتنا آنفا إنّ أسمى ما يمكن للذهن أن يتوصل إليه هو فكرة « اللّه » ولذلك نقول : إنّ أسمى فضيلة للفكر هي معرفة الباري تعالى » « 2 » . إنّ الهدف من التفكير في الإسلام هو إصلاح عقل الإنسان وبناء أساس الحياة على قواعد الحق والعدل ؛ فحينما يحصل الإنسان على نتيجة فكرية يكون
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 170 . ( 2 ) بالفارسية : فلسفة نظري : 97 .