الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
466
معجم المحاسن والمساوئ
وزر أخرى ، فمن زعم أنّه ينجو بتقوى أبيه ، كان كمن زعم انّه يشبع بأكل أبيه ، أو يصير عالما بتعلّم أبيه ، أو يصل إلى الكعبة بمشي أبيه ، فهيهات هيهات ! إنّ التقوى فرض عين على كلّ أحد ، فلا يجزى والد عن ولده شيئا ، وعند الجزاء يفرّ المرء من أخيه ، وأمّه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، ولا ينفع أحد أحدا إلّا على سبيل الشفاعة ، بعد تحقّق شرائطها . ثمّ العصاة المغرورن ، إمّا ليست لهم طاعات ، فتمنّيهم المغفرة غاية الجهل - كما مرّ - أو لهم طاعات ولكن معاصيهم أكثر ، وهم عالمون باكثريّة المعاصي ، ومع ذلك يتوقّعون المغفرة وترجح حسناتهم على سيّئاتهم ، وهو أيضا غاية الجهل ، إذ مثله مثل من وضع عشرة دراهم في كفّة ميزان وفي الكفّة الأخرى ألفا أو ألفين ، وتوقّع أن تميل الكفّة الثقيلة بالخفيفة ، ومن الذين معاصيهم أكثر من يظنّ أنّ طاعاته أكثر من معاصيه ، لأنّه لا يحاسب نفسه ولا يتفقّد معاصيه ، وإذا عمل طاعة حفظها واعتدّ بها ، كالذي يحجّ طول عمره حجّة ويبني مسجدا ، ثمّ لا يكون شيء من عباداته على النحو المطلوب ، ولا يجتنب من أخذ أموال المسلمين ، فينسى ذلك كلّه ويكون حجّه وما بناه من المسجد في ذكره ، ويقول : كيف يعذّبني اللّه وقد حججت وبنيت مسجدا ؟ وكالذي يسبّح اللّه كلّ يوم مائة مرّة ثمّ يغتاب المسلمين ويمزق اعراضهم ويتكلّم بما لا يرضاه اللّه طول نهاره من غير حصر وعدد ، ويكون نظره إلى عدد سبحته مع غفلته عن هذيانه طول نهاره الّذي لو كتبه لكان مثل تسبيحه مائة مرّة ، وقد كتبه الكرام الكاتبون ، فهو يتأمّل دائما في فضيلة التسبيحات ، ولا يلتفت إلى ما ورد في عقوبة الكذّابين والمغتابين والنمّامين والفحّاشين ، ولو كان كتبة أعماله يطلبون منه اجرة الزايد من هذيانه على تسبيحاته ، لكان عند ذلك يسعى في كفّ لسانه عن آفاته وموازنتها بتسبيحاته ، حتّى لا يكون لها زيادة عليها ليؤخذ منه أجرة نسخ الزائد . فيا عجبا لمن يحاسب